الإخلاص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default الإخلاص

مُساهمة من طرف الانصاري في السبت نوفمبر 03, 2007 12:25 pm

الإخلاص
رقائق...


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد:

اعلم أخي الحبيب أن الأعمال لا يقبلها الله تعالى إلا بشرطين:


الشرط الأول: الإخلاص، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالقصد، في كل ما أُمر بالتقرب به إليه، قال الله سبحانه وتعالى: {وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}.


الشرط الثاني: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في العمل، بمعنى أن يكون العمل مطابقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه وتعالى: {وما اتاكم الرسول فخذوه}.

وقد جمع الله هذين الشرطين في قوله سبحانه وتعالى في آخر سورة الكهف: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}، فقوله: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}، دليل الشرط الأول، وقوله سبحانه وتعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا}، دليل الشرط الثاني.

فلتكن نيتك أخي الحبيب في جهادك وإعدادك أن تكون كلمة الله هي العليا، لا أن يقال لك أنك "مجاهد"، أو لتتصدر المجالس ويشار إليك بالبنان.

فمما ورد في الترهيب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار...).

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له)، فأعادها ثلاث مرارٍ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له)، ثم قال: (إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي وجهه) [رواه أبو داود والنسائي، بإسنادٍ جيد].

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشِّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب) [رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد].

وفي رواية للبيهقي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشّر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).

وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمَّع سمَّع الله به، ومن يراء يراء الله به) [رواه البخاري ومسلم].

وسمَّع بتشديد الميم، معناه كما قال بعض أهل العلم: من أظهر عمله للناس رياءً أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد.

ولابد أخي للقوة التي أنت مزمعٌ الإعداد لها من إخلاص، فإن القوي بلا إخلاص مخذولٌ لا محالة، إذ كيف تطلب النصر من عند الله سبحانه وتعالى وأنت لم تقصد من جهادك وإعدادك وجهه سبحانه وتعالى؟!

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان": (ولما علم جلَّ وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم}، أي من الإيمان والإخلاص، كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جلَّ وعلا في قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا}، فصرح جلَّ وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله جلَّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم، فدلت الآية؛ على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}...).

إلى أن قال رحمه الله: (... فقوله: {لم تقدروا عليها}، في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة، لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في محله، وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جلَّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم، {وإن جندنا لهم الغالبون}).

ومما يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [رواه النسائي وغيره بسندٍ صحيح، وهو في البخاري وغيره دون ذكر الإخلاص].

قال في "فيض القدير": (أي طلب ضعفائها من اللّه تعالى النصر والظفر لهذه العصابة الإسلامية، "وصلاتهم وإخلاصهم"؛ أي في جميع أعمالهم).

وأيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار، فقالوا؛ إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم؛ اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب شجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر - زاد بعض الرواة: والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منها)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الآخر اللهم؛ كانت لي ابنة عمٍ كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقال الثالث؛ اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال لي: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فساقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون).

فانظر أخي كيف نجاهم الله سبحانه وتعالى من هذا الكرب العظيم بأعمالهم الصالحة التي ابتغوا بها وجه الله سبحانه وتعالى.

ومن الأحاديث في هذا أيضاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك... الحديث) [أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح]، وفي رواية عند الإمام أحمد في مسنده؛ قال صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة... الحديث).

واعلم أخي الحبيب؛ أن العلاج الناجع للرياء هو أن تتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك، وكيف أن الله اصطفاك من الخلق بأن هداك للإيمان، وجنبك عبادة الشيطان، وكذا هدايته لك بأن وفقك للأعمال الصالحة من إعدادٍ وجهادٍ، وهو القادر على نزع تلك النعمة عنك، فمِن شُكر الله أن تخلص العبادة له وأن لا تقصد بها مراءات الخلق.

وأخيراً...

فقد قال الله سبحانه وتعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم، اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهك خالصة، ولا تجعل لأحدٍ منها شيئاً.


بقلم؛ معاذ المنصور
عن نشر البتار، العدد الثاني
ذو القعدة/1424 هـ

الانصاري

المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 03/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى