عندما يكون الطالب مُخبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default عندما يكون الطالب مُخبر

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الثلاثاء ديسمبر 04, 2007 9:14 am

التقاني أحد طلابي - بعدما قامت إدارة الجامعة التي عملت فيها ذات مرة بإنهاء خدماتي بناء على طلب من جهاز المخابرات - وقال لي: (أتعلم يا أستاذ كم عدد التقارير التي كتبتها ضدك للمخابرات؟). طلبت منه أن يتفضل ؟ فقال: (أنها تسع). فسألته فيما إذا كان لي نصيب من الأجر الذي حصل عليه لقاء جاسوسيته فابتسم، وقال: (علمونا كيف نكون بلا ضمير أو أخلاق).

هذا واحد من عدد كبير من الطلاب الذين كانوا يستمتعون في كتابة التقارير حول المحاضرات والنقاش الذي كان يتم خلالها، ولم تنحصر جهودهم في الكتابة ضد المدرس وإنما امتدت إلى الطلاب أيضا.

لقد عملت في عدة جامعات عربية والمشكلة ذاتها حيثما ذهبت؛ رجال المخابرات في كل مكان يستنفرون أقلامهم وربما أجهزة التسجيل ويتابعون ما يقال في الحرم الجامعي سواء داخل غرفة الدرس أو خارجها. ولاحظت التنوع أيضا من حيث أنهم لا يقتصرون على جهاز مخابرات الدولة التي تقع فيها الجامعة وإنما يخدم بعضهم أجهزة عربية أخرى وأجهزة الأمن الإسرائيلية. وهم لا ينحصرون في الطلاب فقط وإنما منهم المدرسون والإداريون وحملة الدكتوراة.

لقد فوجئت مثلا أن أحد زملائي من حملة الدكتوراة في القانون قد أشبعني تقارير لجهاز المخابرات وإدارة الجامعة.

أما دكتور آخر فكان يزورني في البيت باستمرار ويصر على اصطحابي في جولات ساهرة ليحدثني عن أهمية الثورة والتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي.

بسبب إصراري على حريتي ورفضي أن أكون عبدا للراتب أو للخوف من الاعتقال أو الموت؛ رأيت في هذه الأمة ما يرسخ لدي القناعة أن لا جدوى من الوضع الحالي ولا بد من إحداث تغيير بل انقلاب في هذا الوطن.

رأيت نائب رئيس جامعة يحمل سلاحا داخل الحرم الجامعي وفي مكتبه الرسمي إرهابا للآخرين.

ورأيت رئيس جامعة يرسل قضايا أكاديمية لمدرسين إلى جهاز المخابرات للبت فيها.

وعرفت حالات كثيرة يعطى فيها طلاب وطالبات علامات تسعينية في مواد لم يواظبوا على الدوام فيها، واطلعت على حالات إسقاط لفتيات من أجل استخدامهن كأدوات لتوريط مدرسين أو إداريين، وعلمت بحالات كثيرة يدخل فيها الطالب المخابرات إلى مكتب المدرس ليتفل في وجهه أو يضربه ويحذره... الخ.

من الصعب أن يعمم المرء تجاربه على أمة بأكملها، لكن المؤشر يكون قويا عندما تكون الإصابة في قمة الهرم التعليمي.

ينشط رجال المخابرات في الكليات الاجتماعية والإنسانية؛ ذلك لأنها مرتع الأفكار والتحليلات السياسية والاجتماعية والتربوية والأخلاقية، إنها على علاقة وثيقة بترتيب أوضاع الشعب أو الأمة وتلمس باستمرار على الجوانب الهامة في إدارة الأمة ومقدراتها. ولهذا لا بد من صنع جو من الخوف والتوجس بحيث يتحول التعليم فيها إلى درب من دروب الرومانسية ومنفصل عن نشاطات الحياة. يجب أن تبتعد المهمة التعليمية عن فهم الواقع ونقده والبحث في سبل تطويره وأن تحلق عاليا في أجواء الميتافيزقيا أو بعيدا إلى ما ينتمي إلى عالم آخر لا علاقة له بالإنسان إلا من زوايا افتراضية.

من السياسة الرسمية العربية؛ أن تكون هذه الكليات مجرد شكل بدون جوهر بحيث يمضي طالبها وقتا وفيرا في الكافيتيريا، وتهتم طالباتها بمتابعة الأزياء وتسريحات الشعر ومن ثم تحصل على شهادة خاوية وزنها من الملاحظات أربعين دفترا أو كشكولا - نصف أوراقها بيضاء -

وحتى لا يحصل الطالب أو الطالبة على شهادة ذات قيمة فإن على المدرس ألا يأخذ العملية التعليمية بجد وأمانة وأن يحرص على إظهار النفاق والتفاهة.

يضمن مندوبو المخابرات الجالسين بأدب في غرفة الدرس؛ التزام المدرس بما يسمى في هذا الوطن الكبير "حسن السير والسلوك".

ولهذا كان يركز زميل لي في العلوم السياسية على بلاد "الواق واق" في ضرب الأمثلة أو في أسئلة الامتحانات. سألته ذات مرة فيما إذا كان يشعر أنه يخون الأمانة العلمية في تخيل هذه البلاد وابتعاده عن الواقع ؟ فأجاب بالنفي معللا بأن الأمة التي تنجب طلابا يتجسسون على مدرسهم لا تستحق ذرة من تأنيب ضمير. وأضاف بأنه استعمل حينا بلاد "الماو ماو" في أمثلته إلا أن أحدا همس في أذنه أن في المثل نفسا من التمرد والأفضل استبداله حرصا على المصلحة.

أما مدرس آخر في علم الاجتماع ضاق فيه الوطن العربي ليأتي بمثال عن الحركات الإسلامية والتغيير الذي تتطلع إليه فأتى بالفلبين كمثال؛ تم استدعاؤه إلى دائرة المخابرات في اليوم التالي وأعطي معلومات قيمة من قبل رجل المخابرات الذي قال له بأن المثال يؤدي إلى إساءة العلاقة بين العرب والفلبين وأن الحكومة تبذل قصارى جهدها الآن لتدارك الموقف في حال تناهي أخبار المحاضرة إلى حكومة الفلبين. وأضاف بأن الحكومة تنتظر مكالمة من ممثل الولايات المتحدة يحذر فيها من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على مثل هذا التدريس، منبها إلى المساعدات المالية التي تحصل عليها البلاد من أمريكا.
طمأن رجل المخابرات الدكتور بأنه لن يتم اتخاذ إجراءات ضده ونصحه بأن لا يكرر الخطأ. أشار الدكتور بسذاجة إلى أهمية الأمثلة في التدريس، فقال له رجل المخابرات أن يدرّس بدون أمثلة!!

نجا هذا المدرس بجلده مقارنة مع مدرس آخر سأل في أحد الامتحانات عن أهمية بناء مؤسسات لا تقوم على أسس شخصية في بلاد "الشرم برم".

امتدح أحد الطلاب تغييب العقلية القبلية في البناء واعتبر النمط العائلي في إدارة المؤسسة نمطا متخلفا يقود إلى الفساد والتخريب وإضاعة أموال الأمة. حصل الطالب على علامة عالية، لكنه لم يهنأ بها لأن أحدهم كان قد علم بالإجابة والعلامة. أرسلت دائرة المخابرات للمدرس وتم اتهامه بتهديد استقرار البلاد والمصالح الوطنية وتحذيره من القيام بأعمال تحريضية ضد النظام. ولم يسلم من إدارة الجامعة والكلية إذ هدده رئيس الجامعة بالطرد إذا استمر باتباع الأساليب الغوغائية والشيوعية في التدريس.
أما عميد الكلية فأمره بمراجعة ورقة امتحان الطالب وتغيير العلامة إلى راسب ونصحه بأن ما تعلمه من الكتب والحضارة الغربية لا يرتقي إلى فكر سيد البلاد. بالإضافة إلى العلامة الجديدة كان على الطالب أن يقبع ثلاثة أيام في زنازين المخابرات تحت التعذيب. وأظن أن الاتعاظ لم يقتصر على الطالب والمدرس وإنما على المجتمع الجامعي ككل.

هذه مجرد أمثلة قليلة مما يحصل في جامعات العرب. لكنه من الواضح أن تكرارها يحصل مع المدرسين الجدد الذين يدخلون سلك التعليم وهم تحت تأثير قيم علمية وأكاديمية وأخلاقية ما زالت حية في وجدانهم ويسعون إلى تطبيقها.

إنهم بحاجة إلى فترة من الزمن يقعون خلالها في مطبات وأخطاء يتعلمون من خلالها أن القيم التي يحملونها لا تصلح للوطن العربي وجامعاته. يتعلمون مع الزمن أنه كان يتوجب عليهم خلع ثوب العلم والتقدم والغيرة على الأمة على سلم الطائرة التي أقلتهم في عودتهم الميمونة وارتداء ثوب النفاق والكذب والتدليس. ويوقنون بالتالي؛ أن التخلف الاجتماعي والسياسي عبارة عن سمة عربية بارزة تجب المحافظة عليها إذا رغبوا في بقاء أسمائهم على لائحة الرواتب.

اجتاز المدرسون القدامى هذا الامتحان وهم يعرفون حدودهم دون الحاجة إلى دروس ومواعظ من المخابرات. إنهم يعرفون أن غرف الدرس تحت طائلة المخابرات، وأن من زملائهم من يتقن نقل الكلام، وأنه من السلامة الالتزام بما يرضي المخابرات والابتعاد عما يغضبها.

لقد طور كل منهم - إلا من رحم ربك وهم قليل جدا - في داخله رقيبا ذاتيا بحيث أصبح المخابرات الذي يراقب نفسه. إنه أشبه ما يكون بأغلب وسائل الإعلام العربية التي تعرف ما يصلح للنشر وما لا يصلح دون الرجوع إلى المرجعية المخابراتية.

لماذا تجاوز الخطوط ومن ثم الخضوع للاستجواب؟ الاختصار مفيد للطرفين!

قد يسأل أحد عن الكاتب وفيما إذا جرفه التيار؟

ما زلت أسبح ضد التيار ولدي أمل بأن أعكس مجراه. أنا لا أعترف بقيود أو حواجز، وأدرس طلابي بوضوح وصراحة وبدون لف أو دوران ولا يؤرقني ما يتخذه الآخرون من إجراءات ضدي. لقد دفعت أثمانا باهظة جدا منها السجن والطرد من الوظيفة والإقامة الجبرية وسحب جواز السفر والمنع من السفر والتعرض لإطلاق النار... الخ. لكن قناعتي مطلقة بأنني سأكون ضعيفا إذا أتى اليوم الذي يتوقف رجال المخابرات عن متابعتي، وفوق ذلك سأكون قد تركت موقعا مقدسا؛ الأمة بحاجة إليه إذا أرادت أن تتقدم وتنفض عن نفسها الذل والهزائم.

الاحتمال الأكبر أنني لن أغير وضعا سياسيا أو اجتماعيا، لكن الشجرة تبدأ أولا ببذرة.

كثيرون هم الذين يستعملون الدين لتبرير الاستسلام لإرادة المخابرات والأنظمة عموما. منهم من يستشهد بقول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وآخرون يستشهدون بالحديث الذي يقول بعضه: "ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وقعت الأمة جميعها في التهلكة، والأعداء يدوسون حياضها ومقدساتها ليل نهار وهؤلاء يظنون أن فلسفتهم في مهادنة الظلم ستجعل لهم عند الله غفرانا.

لا شك أن العجز يصنع في عقول العاجزين أديانا تتناسب على ما هم فيه من ذل وهوان.

والعبرة في النهاية أن من يريد تحرير فلسطين أو السيطرة على ثرواته أو توحيد الأمة أو التخلص من الفقر والتخلف؛ لا يقيم جامعات متخلفة عن القرون الوسطى. إن لم تكن الجامعات منارة للتفكير الحر والإبداع والحوار ومركزا للتغيير السياسي والاجتماعي والاكتشاف العلمي فإنها لن تكون سوى بنايات تحوي في داخلها رواتب وبطاقات شهادة.

أما الأمة التي توظف أبناءها مخبرين وجواسيس لا يمكن إلا أن تبقى مطية للغير يسوقونها كيفما طاب هواهم. وإذا كان هناك من يطلق العنان لتصريحات نارية حول حرصه على التقدم والتحرير ولا يطلق العنان للعقول إنما هو كاذب أثيم.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى