أضواء من وراء القضبان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default أضواء من وراء القضبان

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الثلاثاء ديسمبر 04, 2007 9:29 am

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد؛

فلقد كانت الشرائع والديانات التي سنّها الله عز وجل وبعث بها الرسل عليهم السلام إلى اممهم من لدن نوح عليه السلام وإلى عهد نبينا الميمون صلى الله عليه وسلم طبيعة واحدة في اسها واساسها وهو توحيد المولى عز وجل.. {‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.. وكانت طبيعة واحدة في أن لكل دعوة منها أعداء من الانس والجن يسعون إلى هدمها وتخريبها ووقفها عن مسارها.. {‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.. ولكن هيهات لمرادهم ومقصودهم وامانيهم الفاسدة.. {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.. إن مثلهم كمثل الذي يريد ان يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة وهذا لا سبيل إليه.

<TABLE cellSpacing=0 align=center border=0>
<tr><td class=poem align=right width="45%">كناطح صخرة يوماً ليوهنها </TD>
<td vAlign=center align=middle></TD>
<td class=poem align=left width="45%">فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
</TD></TR></TABLE>
لقد كان أعداء الله لضلالهم وظلمهم وكفرهم وجهالتهم وموت قلوبهم وعماها يواجهون دعوات الله عز وجل وهو خالقهم ورازقهم (!) صداً عن سبيله بكل ما أتوتوا من قوة.. لسانا وسنانا.. فكان لهذا فاتن ومفتون.. ظالم ومظلوم.. عدل وجور.. حق وباطل.. كذلك ليضرب الله الباطل بالحق فيدمغه ويزهقه.. {‏بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}..

وجمعاً لكل الأوصاف كان هناك خير وشر.. {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.. {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.. {‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ‏}..

ولما كانت طبيعة تلك الرسالات والنبوات تلك الطبيعة كان الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه يواجهون أممهم ويحثون أتباعهم على الصبر والثبات لما سيلقونه في سبيل ما يدعون إليه من توحيد الله عز وجل، وهكذا أتباعهم يوصي بعضهم بعضاً بالصبر والمصابرة، فالداعي إلى الله، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، لا بد ان يؤذى ويبتلى.

واسمع لقول ورقة بن نوفل عندما ذهبت إليه خديجة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم أول أمره عليه الصلاة والسلام وبعد أن قص عليه أمره قال: " ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ".. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أومخرجي هم؟!).. قال: " نعم.. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ".. [رواه البخاري في كتاب بدء الوحي من صحيحه].

واسمع لقول لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}.

قال ابن كثير: (علم ان الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر لابد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر.. واسمع لقول المولى عز وجل وهو يأمر نبيه وخليله محمداً صلى الله عليخ وسلم في ابتداء الأمر: {‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ‏}).

وغير ذلك كثير وصفحات التاريخ وسيرة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام شاهدة بذلك.

ولقد كان من الأساليب التي انتهجها واتخذها أعداء الله - لعنهم الله لعناً كبيراً - في سبيل الصد عن سبيل الله هي الزج بالموحدين.. الصادقين.. الداعين إلى الله على بصيرة.. المنافحين عن دين الله.. المجاهدين في سبيل الله... الزج بهم في غياهب السجون ايقافاً - وهماً منهم - لدعوة الحق وتحطيماً ومحاربة لأصحابها وتشفياً بهم وامتهاناً لهم وتوعداً ووعيداً لغيرهم أن يخطوا خطاهم وينهجوا مناهجهم.. من هذا المنطلق جاء حديثي اليوم على هذه الصفحات وأنا خارج السجون السعودية لأقول وأرفع صوتي بها حساً ومعنى من انه والله ما زدنا بهذا السجن في سبيل الله إلا إيماناً وبصيرة وثباتاً على الطريق ولأُثبت ان الدين واهله يقوون على هذه الابتلاءات ويزدادون رسوخاً على ما هم عليه.

وحقاً قد يكون السجن في ظاهره شراً ولكن.. {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.. ورب ضارة نافعة.. وعلى كلٍ فأمر المؤمن كله له خير.

فأقول:

اعلم أخي في الله ان المؤمن الحق، المتيقن بوعد الله ووعيده، لا يصده شيء عن عبادة ربه، كيف كان وحيث كان. وبالتالي فهو حريص كل الحرص على ما يرضي ربه جل وعلا.. واعلم بأن الدنيا - قبل كل هذا - هي سجن المؤمن، سجنه الذي يكبح فيه جماح نفسه عن شهواتها وملذاتها وهواها الذي لا يرضي المولى عز وجل.. واعلم أن ما يلقاه المؤمن في هذه الدنيا الفانية - بل وغير المؤمن - لا بد له من زوال حلواً كان أو مراً.. {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

واعلم أيضاً؛

ان المسجون حقيقة هو من سُجِنَ عن عبادة ربه.. أما هذا السجن في هذه الحياة الدنيا - لا سيما من أعداء الله - فإنما هو لمن تعلقت روحه بالله خلوة يناجي فيها العبد ربه.. ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية عندما قال: (سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة).

فمن الأشياء التي تعلمتها من هذا الدرس في مدرسة نبي الله يوسف عليه السلام عدة أمور أحاول عدها في عجالة إن شاء الله تعالى فمنها:

أولاً: زيادة الإيمان والثبات على الطريق:

قلت: فما زادنا ضرب العدو وسجنه وتنكيله إلا ثباتاً على الدرب.

أما شطر الاستفادة الثاني فهو ناتج عن الأول، ذلك ان دين الله عز وجل كما مر لا تفله المصائب والابتلاءات.. كلا.. بل يقوى بها وينمو معها، ومحصل ذلك ان الإيمان يزيد بالطاعات.. ولا شك فإن السجن في ذات الإله مع الصبر طاعة من الطاعات التي تزيد الإيمان.. ومع زيادة الإيمان زيادة اليقين بما عند الله، وفي هذا تثبيت ورسوخ للقدم على الطريق القويم والصراط المستقيم.. وفي زيادة الإيمان تجلو البصيرة.. وتتضح المعالم.. وتصفو النفس.. فنتج عن ذلك:

1) مراقبة الله جل وعلا في حركاتك وسكناتك.

2) محاسبة النفس والوقوف على عيوبها وحسناتها.

3) الصدق مع الله.

4) اللجوء إلى الله والتضرع إليه والتذلل بين يديه.

5) التوبة والمبادرة إليها بعين دامعة وقلب خاشع.

6) الوقوف على تفاهة الدنيا وحقارتها وسرعان زوالها.

7) استشعار دنو الموت وقربه وأنه كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله.

Cool الاستسلام والانقياد التامان لله عز وجل المتضمنان معنى العبودية.

9) الخوف من الله وحده.

10) معاينة معية الله العامة والخاصة.. {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

11) ما فتحه الله على المرء من قيام ليل.. وتلاوة قرآن.. وذكر واستغفار.. إلى غير ذلك.

12) الاعتصام بحبل الله المتين والعروة الوثقى التي لا تنفصم.

13) التلذذ بطعم الإيمان والصبر والمعاناة والمشقة في سبيل الله.

14) ضرب أروع الأمثال في التعاون على البر والتقوى.

15) حقيقة الولاء والبراء.

16) معنى الحب في الله، والبغض فيه، ومعنى البنيان المرصوص، ومعنى الايثار، ومعنى المجتمع الإسلامي فيما بينك وبين اخوانك.

وغير ذلك كثير مما لا يسعف المجال في تقييده...

ثانياً: تكفير الذنوب والخطايا المتضمن علو المنزلة عند المولى جل وعلا:

ذلك انه قد يعكر على الإيمان وصفوه تلك الذنوب التي يقترفها المرء، ولقد جعل الله لتكفيرها ثلاثة أمور: اما ان يغفرها فضلاً منه، واما ان يطهره منها في الدنيا بما يلقاه من الابتلاءات، واما ان يطهره منها في الآخرة بالنار والعياذ بالله، فالجنة طيبة.. لا يدخلها إلا الطيبون الطاهرون..

وفي الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب.. ولا هم ولا حزن.. ولا أذى ولا غم.. حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه).

وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يُصب منه) بفتح الصاد وكسرها.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان عظم الجزاء مع عظم البلاء.. وان الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا.. ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي، وقال حسن صحيح].

ثالثاً: اتضاح الرؤية فيما يتعلق بحكومة " خادم الحرمين الشريفين ":

فليس الخبر كالمعاينة.. قال تعالى: {‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.

وقال الشاعر:

<TABLE cellSpacing=0 align=center border=0>
<tr><td class=poem align=right width="45%">خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به </TD>
<td vAlign=center align=middle></TD>
<td class=poem align=left width="45%">في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
</TD></TR></TABLE>
فلقد وقفنا على حقيقة احقادها وضغائنها على الصحوة وشبابها بما لا يدع مجالاً للشك في علمانيتها وعدائها للتوحيد..

ولقد وقفنا على هشاشة مخابراتها وتفاهة تفكيرهم.. وفشل أعمالهم مع بداوتهم وحفائهم.. وهذان أمران يطول التدليل عليهما...

رابعاً: البركة في الوقت:

مما يتيح للمرء هناك الدراسة والمطالعة والحفظ.. ولذا نرى من الاخوة من حفظ القرآن، ومنهم من تعلم أموراً وأشياء كثيرة: فقيهة ولغوية واصولية.. وغير ذلك كثير...

خامساً: الامتزاج والتعارف بين شباب الصحوة:

فهذا يمني.. وهذا سوداني.. وذاك فلسطيني.. وآخر من الجزيرة.. مكة.. المدينة.. الطائف.. فتتضح الافكار.. وتناقش الامور.. وتطرح الآراء.. الأمر الذي ينشأ عنه الصلاح والفلاح ولا غرو فإن في السجن الخير الكثير، والنفع العميم، لما يفتحه الله على المرء من صفاء النفس والذهن وجدية الفكر وحرقة العمل الهادف...

بقلم؛ سجين من أهل التوحيد
عن مجلة الفجر


محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى