ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:30 am

كتاب ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين للشيخ ابي محمد المقديسي فك الله اسره



براءة [الكاتب: أبو محمد المقدسي]

إلى الطواغيت في كل زمان ومكان...
إلى الطواغيت حكاماً وأمراء وقياصرة وأكاسرة وفراعنة وملوكاً...
إلى سدنتهم وعلمائهم المضلين...
إلى أوليائهم وجيوشهم وشرطتهم وأجهزة مخابراتهم وحرسهم...

إلى هؤلاء جميعاً.. نقول :
(إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله)
براء من قوانينكم ومناهجكم ودساتيركم ومبادئكم النتنة..
براء من حكوماتكم ومحاكمكم وشعاراتكم وأعلامكم العفنة..
( كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده)

لأجاهدن عداك ما أبقيتني ولأجعلن قتالهم ديدانِ

ولأفضحنهم على رؤوس الملا ولأفرين أيديمهم بلسانِ

موتوا بغيظكم فربي عالم بسرائر منكم وخبث جنانِ

فالله ناصر دينه وكتابه ورسوله بالعلم والسلطانِ

والحق ركن لا يقوم لهدّه أحد ولو جمعت له الثقلانِ



مقدمة
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

الحمد لله ولي المتقين، وخاذل أعداء الدين..
وأطيب الصلاة وأتم التسليم على نبينا وأسوتنا القائل: ".. إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم" (1).

وبعد فهذا كتابي ملة إبراهيم أقدمه إلى القراء الكرام بحلته الجديدة هذه، بعد أن انتشر وطبع وصور مراراً، وتداوله الشباب في أرجاء المعمورة، قبل أن أجهزه للطبع، وذلك أني كنت قد أهديت منه نسخة بخط يدي إلى بعض إخواننا الجزائريين في الباكستان، وكان آنذاك فصلاً من كتاب كنت أعده في (أساليب الطغاة في الكيد للدعوة والدعاة) حال تقلب الأيام والتنقل بين الديار دون إتمامه، فقام أولئك الإخوة بطبع ذلك الفصل طبعة بحسب إمكاناتهم المتواضعة، ولكنها كانت أول خروجه وسبب انتشاره.

ثم لما فرج الله تعالى بمنه وكرمه بادرت إلى إعداده للطبع خصوصاً بعد أن عاينت طوال مدة اعتقالي وسجني مدى غيظ أعداء الله من هذا الكتاب، فقد كانوا كلما اعتقلوا أخاً يسألونه أول ما يسألونه عن هذا الكتاب، هل قرأه؟ وهل يعرف مؤلفه؟

وكان بعضهم يقول لمن يجيب على ذلك بالإيجاب: " يكفي هذا ليكون فكرك جهادياً وتقتني سلاحاً، ما اعتقلنا تنظيماً مسلحاً إلا ووجدنا عنده هذا الكتاب".

فالحمد لله الذي جعله شوكة في حلوقهم وغصة في صدورهم وقرحة في كبودهم وأسأل الله أن يظل لنا سعداً، ومرعاه للطاغوت سعداناً (2).

هذا ولقد كنت منذ طبع الكتاب طبعته تلك إلى حين كتابة هذه السطور أنتظر أن يصلني نصح أو تنبيه، وأتحرى أن أقع على ملحوظات أو وقفات؛ من كثير ممن أطالوا ألسنتهم فينا وفي دعوتنا، وفي هذا الكتاب، ورمونا وبهتونا بما لم يصدر عنا في يوم من الأيام.. حتى خطب أحدهم خطبة جمعة في أحد مساجد الكويت فزعم أني أقول بأني وحدي على ملة إبراهيم في هذا الزمان، وزعم أننا نكفر الناس جميعهم هكذا، ووصفنا بالخوارج المعاصرين، وغير ذلك من الافتراءات التي ما عادت تنطلي إلا على مقلدتهم العميان..

أما طلبة الحق الذين استنارت بصائرهم بنور الوحي، فإنهم يعرفون أن حالنا مع هؤلاء كما قال الشاعر:

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ طُوِيَتْ أتاح لها لسانَ حسودِ


فرغم طول المدة التي نشر فيها الكتاب ورغم كثرة الخصوم والحساد، ووفرة الطاعنين والشانئين لم يصلني طول هذه المدة رد أو نقد أو ملحوظات جادة حول الكتاب، وكل الذي وصلني شقشقات عامة من بعض المخالفين نقلوها مشافهة عن شيوخهم هذا مجملها:


قالوا إن الله وصف إبراهيم بأنه أواه حليم لأنه كان يجادل عن قوم لوط الكفار، وهذا مناف لعداوتهم التي ذكرتم أنها من ثوابت هذه الملة.


وقالوا (ويا عجباً لما قالوا): إننا مأمورون باتباع طريقة محمد صلى الله عليه وسلم وملته..
أما ملة إبراهيم فهي من شرع من قبلنا وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا..


وقالوا إن آية الممتحنة المذكورة فيها ملة إبراهيم مدنية، فهي نزلت في مرحلة كان للمسلمين فيها دولة، وقرروا بذلك أن هذه الملة العظيمة إنما تظهر وتتبع فقط عند وجود الدولة..


وقالوا إن حديث تكسير الأصنام في مكة حديث ضعيف، وأوضعوا بذلك يبغون رد أهم ما جاء في الكتاب بتضعيف ذلك الحديث.

ولعل القارىء الفطن: ينتقد علينا تنزّلنا معهم للرد على مثل هذه الأقاويل والتي حقيقتها كما قال الشاعر:

شبهٌ تهافت كالزجاج تخالُها حقّاً وكُلٌّ كاسرٌ مكسورُ


ولكنني لا أرى مع ذلك مانعاً من التصدي لها مخافة أن تنطلي على البعض أو يتلقفها بعض الأغرار، خاصة وأنه لم يصلني غيرها، فأقول على وجه الاختصار..

أولاً: أما قوله تعالى عن إبراهيم: (فلمّا ذهب عن إبراهيمَ الرَّوْعُ وجاءته البشرى يجادلُنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) [هود: 74-75].
فليس فيه وجه دلالة يرقع به المجادلون باطلهم فقد روى أهل التفسير أن جدال إبراهيم عن قوم لوط، إنما كان لأجل لوط وليس لأجلهم فذكروا أنه لما سمع قول الملائكة: ( إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) [العنكبوت: 31].

قال: أرأيتم إن كان منهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟
قالوا: لا
قال: فأربعون؟
قالوا: لا
قال: فعشرون؟
قالوا: لا
ثم قال: فعشرة، فخمسة؟
قالوا: لا
قال: فواحد؟
قالوا: لا
( قال إن فيها لوطاً. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) [العنكبوت: 32].. الآية، وهذا الذي ذكره المفسرون تدل عليه آيات الكتاب..

فإن من أولى أنواع التفسير تفسير القرآن بالقرآن، فآية سورة هود الأولى تفسرها آية العنكبوت المذكورة.. فهي مبينة مفسرة لها..

قال تعالى: ( ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) [العنكبوت: 31-32].

ثم هب أن جدال إبراهيم كان عن قوم لوط أنفسهم، أوليس المعرفة بحقيقة دعوة الأنبياء؛ وأنهم كانوا أرحم الناس بأقوامهم، تستلزم حمل ذلك الجدال على الحرص على هدايتهم قبل إهلاكهم؟.

أوليس الفقه السليم؛ يقتضي حمل مثل هذا الجدال المطلق، وفهمه على ضوء قول النبي صلى الله عليه وسلم ، لما بعث الله إليه مَلَك الجبال ليأمره بما شاء في قومه، حين ردوا دعوته، فقال صلى الله عليه وسلم : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"، والحديث رواه الشيخان.

أوليس الأدب مع الأنبياء وحسن الظن بهم يقتضي هذا الفهم، ويقتضي تنزيههم عن تلك الأفهام السقيمة، التي تضرب آيات الكتاب بعضها ببعض، وتشوّه دعوة الأنبياء وتزري بهم؛ إذ تجعلهم من المرقّعين للباطل، المجادلين عن الذين يختانون أنفسهم؟؟
وهم الذين ما بعثوا أصلاً إلاّ للبراءة من الشرك وأهله..

لكن هؤلاء لما لم يجدوا في الأدلة الصريحة ما يرقّع باطلهم صاروا إلى ما تهواه أنفسهم من النصوص المحتملة (ظنية الدلالة)، وأوّلوها بأفهامهم السقيمة، ليطعنوا بها في نحر النصوص المحكمة البينة القطعية، كقوله تعالى في سورة الممتحنة بكل وضوح: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ) [الممتحنة: 4]... الآية وتأمل كيف صدّرها الله تعالى بأنها الأسوة الحسنة لنا.. ثم أتبعها بالتأكيد على ذلك، فقال: ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة، لمن كان يرجوا الله... ) [الممتحنة: 6] فانظر كيف أعرضوا عن هذا النص المحكم الواضح الصريح، وحاصوا إلى آية سورة هود المتقدمة، والتي يقول الله في آخرها: ( يا إبراهيم أعرض عن هذا) فتدبر حال القوم كيف تلاعبت بهم الشياطين، واحمد إلهك أن هداك إلى الحق المبين.

واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان

لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن


ثانياً: أما قولهم، إن ملة إبراهيم من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
فهو من العجب العجاب، إذ أين يذهب هؤلاء بقوله تعالى الواضح الصريح: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده... ) [الممتحنة: 4]، إلى قوله تعالى: ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد) [الممتحنة: 6].

وأين يذهبون بقوله تعالى: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) [البقرة: 130].

وبقوله عز وجل: ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) [النحل: 123]، وكم من حديث صحيح في السنة، يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الحنيفية السمحة ملة أبينا إبراهيم، فالنصوص كثيرة وصريحة بأن طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصل دعوته، كانت البراءة من الكفار ومعبوداتهم الزائفة وشرائعهم الباطلة، وهي عين طريقة إبراهيم عليه السلام وملته..

وفي الحديث المتفق عليه: "الأنبياء أولاد علات" أي أن أصلهم واحد وإن اختلفت فروعهم، وأعظم ما دندنا حوله في هذا الكتاب، إنما هو أصل التوحيد ولوازمه من البراءة من الشرك والتنديد بأوليائه.. ومعلوم أن هذا الباب لا نسخ فيه ولا يقال فيه، إنه من شرع من قبلنا، لأن شريعة الأنبياء جميعهم في أصل التوحيد والبراءة من الشرك وأهله واحدة..

قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36]، وقال سبحانه: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [الأنبياء: 25]، وقال عز وجل: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم )... [الشورى: 13].

ثالثاً: أما قولهم إن آية الممتحنة مدنية نزلت لما كان للمسلمين دولة..
فنقول قد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا بذلك نعمته، فمن أراد اليوم أن يفرق بين ما أنزل الله، بحجة أن هذا مدني وذاك مكي، فليأت ببرهان من الشرع على ما يريد، وإلا كان من الكاذبين، قال تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ).

وفتح هذا الباب دون ضابط من الشرع أو دليل يدل عليه هو في الحقيقة فتح باب عظيم من الشر على دين الله، وفيه تعطيل لكثير من أدلة الشريعة، ولو قال قائلهم: إن إظهار هذه الملة العظيمة وإعلانها منوط بالاستطاعة، لما تعرضنا له، لكنهم أرادوا إماتتها بحجة أنها مدنية، نزلت لما كان للمسلمين دولة.. مع أن إبراهيم والذين معه عندما قالوها وصدعوا بها، كانوا مستضعفين ولم تكن لهم دولة، ومع ذلك بيّن الله أن لنا فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سار على طريقهم، فكان أهم مهمات دعوته طوال حياته سواء المكية منها أو المدنية، الصدع بالتوحيد والبراءة من الشرك والتنديد، وما يتعلق بذلك ويلزم عنه من عرى الإيمان الوثقى.. وسيرته صلوات الله وسلامه عليه شاهدة بذلك وقد ذكرنا لك أمثلة منها في هذا الكتاب..

ثم هب جدلاً أن ما قالوه في آية الممتحنة المدنية حقاً.
فهل سورة البراءة من الشرك كذلك؟؟ ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) إلى قوله تعالى: ( لكم دينكم ولي دين ) [الكافرون: 1-6].

وهل قوله تعالى: ( تبَّتْ يدا أبي لهب وتب ) [المسد: 1].. إلى آخر الآيات كذلك؟؟ وقوله تعالى: ( أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) الآيات [النجم: 19-23].

ومثل ذلك قوله تعالى: ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) [الأنبياء: 6].
ونحو ذلك من آيات الكتاب المكية وهي كثير..

وقد ذكرنا في هذا الكتاب قوله تعالى: واصفاً نبيه: ( وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم )... [الأنبياء: 36].
فقوله: ( يذكر آلهتكم ): أي يبرأ منها ومن عابديها ويكفر بها ويسفّهها.. فهل هذا كله لم يكن إلا في المدينة فقط..؟ كيف والآيات مكية؟؟ وأمثالها كثير..

رابعاً: زعم بعضهم أن حديث تكسير النبي صلى الله عليه وسلم للصنم في مكة ضعيف، وظنوا أنهم بذلك يهدمون أهم ما جاء في الكتاب من معالم هذه الملة العظيمة..

فنقول أولاً: الحديث ثابت بإسناد حسن وهو مرويّ في مسند الإمام أحمد (1/84).
قال عبد الله حدثني أبي حدثنا أسباط بن محمد حدثنا نعيم بن حكيم المدائني عن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفاً، فنزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه قال فنهض بي قال: فإنه يخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقذف به"، فقذفت به، فتكسّر كما تتكسّر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس".

قلت: أسباط بن محمد: ثقة، إنما ضعف في الثوري، وهو هنا لم يروه عنه.
ونعيم بن حكيم المدائني: وثقه يحيى بن معين والعجلي كما في تاريخ بغداد (13/303).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسند أيضاً (1/151): حدثني نصر ابن علي، ثنا عبد الله بن داود، عن نعيم بن حكيم، عن علي رضي الله عنه قال: "كان على الكعبة أصنام فذهبت لأحمل النبي صلى الله عليه وسلم إليها فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها ولو شئت لنلت السماء".

وأورد الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (6/23) (باب تكسيره صلى الله عليه وسلم الأصنام) وقال عقبة: (رواه أحمد وابنه أبو يعلى والبزار، زاد بعد قوله حتى استترنا بالبيوت: فلم يوضع عليها بعد؛ يعني شيئاً من تلك الأصنام) قال: (ورجال الجميع ثقات).

وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (13/302، 303): حدثنا أبو نعيم الحافظ إملاء، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن نعيم بن حكيم المدائني، قال حدثني أبو مريم عن علي ابن أبي طالب، قال: "انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأصنام فقال: "اجلس" فجلست إلى جنب الكعبة ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبي ثم قال: "انهض بي إلى الصنم"، فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس، فجلست وأنزلته عني وجلس لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: "يا عليّ اصعد على منكبي" فصعدت على منكبيه، ثم نهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نهض خيل إلي أني لو شئت نلت السماء وصعدت على الكعبة، وتنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقيت صنمهم الأكبر - صنم قريش - وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عالجه" فعالجته فما زلت أعالجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إيه، إيه، إيه"، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: "دقه" فدققته وكسرته، ونزلت".

قلت: أبو مريم: هو قيس الثقفي المدائني، يروي عن علي وعنه نعيم بن حكيم، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه النسائي، ولكنه كما قال الحافظ ابن حجر: "وهم في قوله أن أبا مريم الحنفي يسمى قيساً، والصواب أن الذي يسمى قيساً هو أبو مريم الثقفي.. إلى أن قال: على أن النسخة التي وقفت عليها من كتاب التمييز للنسائي إنما فيه أبو مريم قيس الثقفي نعم ذكره في التمييز.. وأما أبو مريم الحنفي فلم يذكره النسائي لأنه لم يذكر إلا من عرفه" اه.

والذين تكلموا في الحديث خلطوا بين الرجلين.. فتنبه لهذا.. وقد وثقه أيضاً الحافظ الذهبي في الكاشف (3/376) وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، والبخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.. فهو غير الحنفي وغير الكوفي أيضاً راجع ميزان الاعتدال (4/573).

والحديث صححه العلامة أحمد شاكر فقال في هامش تحقيقه للمسند (2/58): "إسناده صحيح، نعيم بن حكيم وثقه ابن معين وغيره وترجم له البخاري في التاريخ الكبير 4/2/99 فلم يذكر فيه جرحاً، أبو مريم: هو الثقفي المدائني، وهو ثقة وترجم له البخاري أيضاً (4/1/151) فلم يذكر فيه جرحاً... قال: ومن الواضح أن هذه القصة كانت قبل الهجرة" اه.


عدل سابقا من قبل في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:35 am عدل 1 مرات

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:31 am

أقول: ومع هذا فقد قلنا في هذا الكتاب بعد أن سقنا الحديث: (ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف، فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة، فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم، بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة، بل وغيرها هو: ( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل: 36]، فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة، أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها...) إلى قولنا: (بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه، وقد فصلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي لوضح لك من ذلك الكثير.. إلخ).

فالمسألة إذن ليست كما يظنها هؤلاء القوم، موقوفة على حديث فرد يقضى عليها بتضعيفه، بل لها شواهد عظيمة، وبراهين صريحة، وأصول ثابتة، وقواعد راسية من أدلة الشرع، لا يقوى على ردها إلا مكابر جاحد.

فالحق ركنٌ لا يقومُ لهدّه أحدٌ ولو جمعت له الثقلان


ولعل في هذا القدر الكفاية لمن أراد الهداية.

وقبل أن أختم هذه المقدمة أحب أن أضيف إليها، بأنني كنت قد ناظرت في السجن بعض أفراد حزب سياسي إرجائي معروف، حول موضوع (الإيمان) ومتعلقاته..

وكان فيهم رأس من رؤوسهم، فكان فيما احتجّ به ترقيعاً لعساكر الشرك والقانون، قصة حاطب بن أبي بلتعة، وقصة أبي لبابة الأنصاري، فزعم أن حاطب تجسس للكفار ووالاهم، وأن أبا لبابة خان الله والرسول، ومع ذلك لم يكفّرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ومن ثم قاس حرابه عساكر الشرك والقانون للشريعة وعداوتهم لأهلها، على فعل هذين الصحابيين الجليلين. وخرج من ذلك بأن أنصار الطواغيت وعساكرهم، الذين يفنون أعمارهم في حراسة الشرك والقانون، وحفظ عروش الطواغيت وحرب الشريعة وأهلها، لا يجوز تكفيرهم، لأن جرائمهم لا تعدوا فعل حاطب أو فعل أبي لبابة..! بل زاد على ذلك أن استشاط غضباً لما نقلنا عنه أنه لا يكفّر عساكر الشرك والقانون، بل يقول عنهم ظلمة وفجار، فثار لذلك واتهمنا بأننا غيرنا سياق كلامه، فهو كما قال لم يصفهم بأنهم ظلمة وفجار، هكذا بإطلاق، وإنما قال في سياق الدفع عن تكفيرهم: "قد يكون بعضهم ظلمة أو فجارا ً" أي بحسب حال آحادهم، لا بسبب طبيعة عملهم، ونصرتهم للطواغيت وحربهم للشريعة وأهلها..

فقلت لهم: عجباً لكم تتحرجون من وصف جند الطواغيت وعساكر الشرك والتنديد بالظلم والفجور، ولا تتحرجون من القول عن حاطب: والَى الكفار وتجسس لهم، وعن أبي لبابة: خان الله والرسول!! وكان هذا فراق بيننا وبينهم..

ولما حاول بعض الإسلاميين في السجن أن يجمعوا ويصلحوا بيننا، جرى بيننا وبينهم بعض الكلام، فوجدناهم على ما كانوا عليه من المقال، فقلت لهم: (أنا لست على صحبتكم بحريص، لأنكم لا تتحرجون من الكلام في بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالخيانة، بينما تتحرجون من وصف أعداء الله وجند الطواغيت بالظلم والفجور.. لذا فلسنا والله حريصون على صحبتكم وإنما نداريكم ونتجنب الانشغال بكم، لأننا في سجن وبين أعداء الله تعالى (4) وهنا غضب ناطقهم وأخرج ما كان يكنه في صدره وقال: (أنت أصلاً رجل تدعو إلى ملة إبراهيم، والذي يدعو إلى ملة إبراهيم رجل مشبوه سياسياً، يدعو إلى الذي يصالح اليهود والنصارى، الذين هم من أبناء إبراهيم) أه - وما سقت القصة هنا إلا لأجل هذا، وهو محل الشاهد منها..

فلا أدري ما أقول في هذا؟؟

وبأي شيء أردّ على أناس يرومون إقامة الخلافة، وهم لا يميزون بين مقولة (أبناء إبراهيم) التي يروج لها الطواغيت اليوم ليؤاخوا اليهود ويصالحوهم، وهي مقولة يراد بها هدم عرى الإيمان، وتمييع أصل الدين، ودك قواعد الولاء والبراء.. وقد رد الله تعالى عليهم فقال: ( ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ) [آل عمران: 67].

فلا يميزون بين هذه المقولة وبين (ملة إبراهيم) التي فرقت بين الآباء والأبناء، إذ هي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والتي قال الله تعالى عنها في القرآن: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ).. [البقرة: 130].
وقد فصلناها لك في هذا الكتاب.. فتأملها ولا تلتفت إلى شغب المخالفين..

وهكذا أخا التوحيد.. وللأسف الشديد فإنني طوال المدة السابقة من طباعة الكتاب لم يصلني من المخالفين المجادلين الطاعنين فينا وفي دعوتنا إلا أمثال هذه المهاترات التي ما كان ينبغي لنا أن نتنزل معهم في الرد عليها.. لولا معرفتنا لأحوال أهل زماننا، واندراس أعلام ومعالم هذه الملة العظيمة بينهم، وأن فيهم سماعون لأهل الزيغ الذين وصفهم الله تعالى في مطلع سورة آل عمران..

فأسأله تعالى أن ينصر دينه ويكبت أعدائه..
وأن يستعملنا ما حيينا في نصرة هذه الملة، ويجعلنا من جندها وعساكرها ويتقبل منا ويختم لنا بالشهادة في سبيله.. إنه جواد كريم.

وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

أبو محمد


--------------------------------------------------------------------------------

(1) جزء من حديث رواه مسلم عن جندب بن عبد الله مرفوعاً.
(2) السعدان: شوك معروف، جاء في الأحاديث أن كلاليب جهنم على صفته.
(3) وقد كتبت رداً على مقالتهم هذه، في رسالة من رسائل السجن سميتها: "الشهاب الثاقب في الرد على من افترى على الصحابي حاطب".
(4) مع العلم أنهم كانوا في السجن سلْماً على أعداء الله حرباً على دعوة التوحيد بل ويصلون خلف عساكر الشرك والقانون دونما إكراه، فنحن نقيم الجمعة والجماعة وحدنا ويصلي معنا سجناء آخرين، أما هؤلاء فيصلون خلف أهل الشرك والتنديد، ويبادرونهم بالسلام والإكرام وبعضهم يقبلهم ويهنئهم بالمناسبات والأعياد، بل رأينا ممن ينتسبون للدعوة إلى الإسلام من يهنئهم على رتبهم الطاغوتية الكفرية.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default [color=red]الفصل الأول : في بيان ملة إبراهيم [/color]

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:34 am


الفصل الأول : في بيان ملة إبراهيم

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

يقول تعالى عن ملة إبراهيم: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) [سورة البقرة: 130].

ويقول أيضاً مخاطباً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) [سورة النحل: 123].

بهذه النصاعة، وبهذا الوضوح بين الله تعالى لنا المنهاج والطريق... فالطريق الصحيح والمنهاج القويم.. هو ملة إبراهيم... لا غموض في ذلك ولا التباس، ومن يرغب عن هذه الطريق بحجة مصلحة الدعوة أو أن سلوكها يجر فتناً وويلات على المسلمين، أو غير ذلك من المزاعم الجوفاء.. التي يلقيها الشيطان في نفوس ضعفاء الإيمان - فهو سفيه، مغرور يظن نفسه أعلم بأسلوب الدعوة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي زكاه الله فقال: ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) [الأنبياء: 51]، وقال: ( ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) [البقرة: 130]، وزكى دعوته لنا وأمر خاتم الأنبياء والمرسلين باتباعها، وجعل السفاهة وصفاً لكل من رغب عن طريقه ومنهجه. وملة إبراهيم هي:


إخلاص العبادة لله وحده، بكل ما تحويه كلمة العبادة من معان(1).

والبراءة من الشرك وأهله.

يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.

الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله"اهـ.

وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. وهو معنى لا إله إلا الله. إخلاص وتوحيد وإفراد لله عز وجل في العبادة والولاء لدينه ولأوليائه، وكفر وبراءة من كل معبود سواه ومعاداة أعدائه..

فهو توحيد اعتقادي وعملي في آن واحد.. فسورة الإخلاص دليل على الاعتقادي منه وسورة الكافرون دليل على العملي، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكثر من القراءة بهاتين السورتين ويداوم عليهما في سنة الفجر وغيرها.. لأهميتهما البالغة.

تنبيه لا بد منه: وقد يظن ظان أن ملة إبراهيم هذه تتحقق في زماننا هذا بدراسة التوحيد، ومعرفة أقسامه وأنواعه الثلاثة معرفة نظرية وحسب.. مع السكوت عن أهل الباطل وعدم إعلان وإظهار البراءة من باطلهم.

فلمثل هؤلاء نقول: لو أن ملة إبراهيم كانت هكذا لما ألقاه قومه من أجلها في النار، بل ربما لو أنه داهنهم وسكت عن بعض باطلهم ولم يسفه آلهتهم ولا أعلن العداوة لهم واكتفى بتوحيد نظري يتدارسه مع أتباعه تدارساً لا يخرج إلى الواقع العملي متمثلاً بالولاء والبراء والحب والبغض والمعاداة والهجران في الله. ربما لو أنه فعل ذلك لفتحوا له جميع الأبواب، بل ربما أسسوا له مدارس ومعاهد كما في زماننا يدرس فيها هذا التوحيد النظري.. ولربما وضعوا عليها لافتات ضخمة وسموها: مدرسة أو معهد التوحيد، وكلية الدعوة وأصول الدين.. وما إلى ذلك.. فهذا كله لا يضرهم، ولا يؤثر فيهم ما دام لا يخرج إلى الواقع والتطبيق.. ولو خرجت لهم هذه الجامعات والمدارس والكليات آلاف الأطروحات ورسائل الماجستير والدكتوراه في الإخلاص والتوحيد والدعوة.. لما أنكروا ذلك عليها، بل لباركوها ومنحوا أصحابها جوائز وشهادات وألقاباً ضخمة، ما دامت لا تتعرض لباطلهم وحالهم وواقعهم وما دامت على ذلك الحال الممسوخ.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر السنية: "لا يُتصور أن -أحداً- يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به" أهـ. جزء الجهاد ص167.

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنه سكت في بادىء الأمر عن تسفيه أحلام قريش والتعرض لآلهتهم وعيبها ولو أنه "حاشاه" كتم الآيات التي فيها تسفيه لمعبوداتهم كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. والآيات التي تتعرض لأبي لهب والوليد وغيرهما.. وكذا آيات البراءة منهم ومن دينهم ومعبوداتهم -وما أكثرها كسورة (الكافرون) وغيرها.. لو فعل ذلك.. وحاشاه من ذلك.. لجالسوه ولأكرموه وقرّبوه.. ولما وضعوا على رأسه سلى الجزور وهو ساجد، ولما حصل له ما حصل من أذاهم مما هو مبسوط ومذكور في الثابت من السيرة.. ولما احتاج إلى هجرة وتعب ونصب وعناء.. ولجلس هو وأصحابه في ديارهم وأوطانهم آمنين.. فقضية موالاة دين الله وأهله ومعاداة الباطل وأهله فُرضت على المسلمين في فجر دعوتهم قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن أجلها لا لغيرها حصل العذاب والأذى والابتلاء.

يقول الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له في الدرر السنية: "فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع، فإن المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعدما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم، فأرادوا منه صلى الله عليه وسلم الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج، وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) أهـ. من جزء الجهاد ص199.

وهكذا فإن الطواغيت في كل زمان ومكان لا يظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات إلا إذا كان ديناً أعور أعرج مقصوص الجناحين بعيداً عن واقعهم وعن موالاة المؤمنين والبراءة من أعداء الدين وإظهار العداوة لهم ولمعبوداتهم ومناهجهم الباطلة.

وإننا لنشاهد هذا واضحاً في الدولة المسماة "السعودية" فإنها تغر الناس بتشجيعها للتوحيد وكتب التوحيد، وبسماحها بل وحثها للعلماء على محاربة القبور والصوفية وشرك التمائم والتوله والأشجار والأحجار.. وغير ذلك مما لا تخشاه ولا يضرها أو يؤثر في سياساتها الخارجية والداخلية.. وما دام هذا التوحيد المجزأ الناقص بعيداً عن السلاطين وعروشهم الكافرة فإنه يتلقى منهم الدعم والمساندة والتشجيع... وإلا فأين كتابات جهيمان وأمثاله رحمه الله تعالى التي تمتلىء وتزخر بالتوحيد؟ لماذا لم تدعمها الحكومة وتشجعها؟؟ رغم أنه لم يكن يكفرها في تلك الكتابات.. أم أنه توحيد يخالف أمزجة (الطغاة) وأهواءهم ويتكلم بالسياسة ويتعرض للولاء والبراء والبيعة والإمارة. وراجع كلامه في مختصر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص108 إلى 110 من الرسائل السبع، فقد وجدته متبصراً في هذه القضية رحمه الله تعالى.

يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: "إن كثيراً من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس، ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.

واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه.." أهـ.

ويقول أيضاً في الدرر السنية: "وإظهار الدين: تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين" أهـ. من جزء الجهاد ص196.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ص76، 77:-

إظهار هذا الدين تصريح لهم بالكفر إذْْ هم معشر كفار

وعداوة تبدو وبغض ظاهر يا للعقول أما لكم أفكار

هذا وليس القلب كاف بغضه والحب منه وما هو المعيار

لكنما المعيار أن تأتي به جهراً وتصريحاً لهم وجهار


ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جزء الجهاد من الدرر السنية ص141: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من يتعبد أو يدرس دعوى باطلة، فزعمه مردود عقلاً وشرعاً، وليََهْْنََ من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والآذان والتدريس موجود في بلدانهم.." أهـ.

ورحم الله من قال:

يظنون أن الدين لبيك في الفلا وفعل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلا الحب والبغض والولا



كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ

ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان" أه من الدرر السنية - جزء الجهاد ص238.

تنبيه ثان: وفي مقابل هذه البراءة من الشرك وأهله.. هناك أيضاً: (موالاة دين الله وأوليائه ونصرتهم ومؤازرتهم والنصح لهم وإبداء ذلك وإظهاره) حتى تتآلف القلوب وتتراص الصفوف، ومهما عنّفنا إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب ومهما شدّدنا في النصح لهم ونقد طرائقهم المخالفة لطريق الأنبياء.. فالمسلم للمسلم كما يقول شيخ الإسلام كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وربما احتاج إزالة الوسخ أحياناً إلى شيء من الشدة التي تُحمد عاقبتها، لأن المقصود من ورائها الإبقاء على سلامة اليدين ونظافتهما.. ولا نستجيز بحال من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية، لأن للمسلم على أخيه حق الموالاة التي لا تنقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام.. وقد عظّم الله سبحانه من شأن هذا الحق فقال: ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) [الأنفال: 73]. والمسلم المنحرف إنما يتبرأ من باطله أو بدعته وانحرافه مع بقاء أصل الموالاة.. ألم تر أن أحكام قتال البغاة وأمثالهم.. تختلف مثلاً عن أحكام قتال المرتدين... ولا نقر أعين الطغاة ونفرحهم بعكس ذلك أبداً، كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن اختل لديهم ميزان الولاء والبراء في هذا الزمان، فبالغوا في البراءة والشماتة من مخالفيهم الموحدين والتحذير منهم بل ومن كثير من الحق الذي عندهم وربما على صفحات الجرائد النتنة المعادية للإسلام والمسلمين ناهيك عن إغراء السفهاء والحكام بهم وبدعواتهم.. حتى ليُشارك كثير من هؤلاء الدعاة أولئك الحكام بالقضاء عليهم وعلى دعواتهم بإلصاق التهم الباطلة بهم أو ترقيع الفتاوى للطواغيت لقمعهم، كأن يقولوا عنهم: بغاة أو خوارج أو أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، إلى غير ذلك.. وأعرف كثيراً ممن يفرح بوقوع من يخالفهم من المسلمين بأيدي الطغاة، ويقولون: (يستاهل) أو (زين يسوون فيه) إلى غير ذلك من الكلمات التي ربما تهوي بأحدهم في جهنم سبعين خريفاً من حيث لا يدري وهو لا يُلقي لها بالاً.

واعلم أن من أخص خصائص ملة إبراهيم ومن أهم مهماتها التي نرى غالبية دعاة زماننا مقصرين فيها تقصيراً عظيماً بل أكثرهم هجرها وأماتها:-

إظهار البراءة من المشركين ومعبوداتهم الباطلة.

وإعلان الكفر بهم وبآلهتهم ومناهجهم وقوانينهم وشرائعهم الشركية.

وإبداء العداوة والبغضاء لهم ولأوضاعهم ولأحوالهم الكفرية حتى يرجعوا إلى الله، ويتركوا ذلك كله ويبرأوا منه ويكفروا به.

قال تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) [الممتحنة: 4].

يقول العلامة ابن القيم: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال" أهـ. من بدائع الفوائد (3/69).

ويقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: "فقوله: ( وبدا ) أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين. واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين" أهـ. "من سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك".

ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: "ولا يكفي بغضهم بالقلب، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء - وذكر آية الممتحنة السابقة ثم قال- فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان، حيث قال: ( بدا بيننا ) أي ظهر، هذا هو إظهار الدين فلا بد من التصريح بالعداوة وتكفيرهم جهاراً والمفارقة بالبدن، ومعنى العداوة أن تكون في عََدْْوَة والضدّ في عََْدْوَة أخرى كما أن أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن، وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر، وإنما النزاع في إظهار العداوة..." أهـ. من الدرر ص141 جزء الجهاد.

ويقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب فتح المجيد) حول آية الممتحنة السابقة: "فمن تدبر هذه الآيات عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم من الجهلة المغرورين الأخسرين قال شيخنا الإمام رحمه الله -يعني جده محمد بن عبد الوهاب- في سياق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً إلى التوحيد وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم بأنهم لا ينفعون ولا يضرون أنهم جعلوا ذلك شتماً، " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين(2) والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله... ) [المجادلة: 22] الآية، فإذا فهمت هذا فهماً جيداً عرفت أن كثيراً ممن يدعي الدين لا يعرفه، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والهجرة إلى الحبشة مع أنه أرحم الناس ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) [العنكبوت: 10] فإذا كانت هذه الآية فيمن وافق بلسانه فكيف بغير ذلك"؛ يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى فظاهرهم وأعانهم وذب عنهم وعن من وافقهم وأنكر على من خالفهم كما هو الواقع" -الدرر- جزء الجهاد ص93 وأنا أقول لهم: لله درك كأنك تتكلم في زماننا...

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف في الدرر السنية: اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله(3)، وموالاة أولياء الله ورسوله قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ) [التوبة: 23] أهـ. من جزء الجهاد ص208.

وهذا هو دين جميع المرسلين.. وهذه هي دعوتهم وطريقتهم كما تدل عليه عموم آيات القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم .. وكذلك قوله تعالى في آية الممتحنة هذه (والذين معه ) أي المرسلين الذين على دينه وملته.. قاله غير واحد من المفسرين.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:36 am

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "وهذا هو إظهار الدين لا كما يظن الجهلة من أنه إذا تركه الكفار وخلوا بينه وبين أن يصلي ويقرأ القرآن ويشتغل بما شاء من النوافل أنه يصير مظهراً لدينه هذا غلط فاحش فإن من يصرح بالعداوة للمشركين والبراءة منهم لا يتركونه بين أظهرهم بل إما قتلوه وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً كما ذكره الله عن الكفار قال تعالى: ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) [إبراهيم: 13] الآية. وقال إخباراً عن قوم شعيب: ( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) [الأعراف: 88] الآية. وذكر عن أهل الكهف أنهم قالوا: ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا ) [الكهف: 20] وهل اشتدت العداوة بين الرسل وقومهم إلا بعد التصريح بمسبة دينهم وتسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم" أهـ. الدرر - جزء الجهاد ص207.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان عند آية الممتحنة أيضاً: "فهذه هي ملة إبراهيم التي قال الله فيها: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) [البقرة: 130]، فعلى المسلم أن يعادي أعداء الله ويظهر عداوتهم ويتباعد عنهم كل التباعد وأن لا يواليهم ولا يعاشرهم ولا يخالطهم..." أه ص221، جزء الجهاد - الدرر السنية.

وأخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 75-76].

وفي موضع ثالث يقول سبحانه: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) [الزخرف: 27].

يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وقد افترض الله تعالى البراءة من الشرك والمشركين والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم وجهادهم: ( فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ) [البقرة: 59]، فوالوهم وأعانوهم وظاهروهم، واستنصروا بهم على المؤمنين وأبغضوهم وسبوهم من أجل ذلك، وكل هذه الأمور تناقض الإسلام كما دل عليه الكتاب والسنة في مواضع".

وهاهنا شبهة يطرحها كثير من المتسرعين، وهي قولهم إن ملة إبراهيم هذه إنما هي مرحلة أخيرة من مراحل الدعوة، يسبقها البلاغ بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يلجأ الداعية إلى ملة إبراهيم هذه من البراءة من أعداء الله ومعبوداتهم والكفر بها وإظهار العداوة والبغضاء لهم إلا بعد استنفاذ جميع أساليب اللين والحكمة.. فنقول وبالله التوفيق: إن هذا الإشكال إنما حصل بسبب عدم وضوح ملة إبراهيم لدى هؤلاء الناس، وبسبب الخلط بين طريقة الدعوة للكفار ابتداء وطريقتها مع المعاندين منهم.. وأيضاً الفرق بين ذلك كله وبين موقف المسلم من معبودات ومناهج وشرائع الكفار الباطلة نفسها.. فملة إبراهيم من حيث أنها إخلاص للعبادة لله وحده وكفر بكل معبود سواه لا يصح أن تؤخر أو تؤجل.. بل ينبغي أن لا يبدأ إلا بها، لأن ذلك هو تماماً ما تحويه كلمة لا إله إلا الله من النفي والإثبات وهو أصل الدين وقطب الرحى في دعوة الأنبياء والمرسلين، ولأجل أن يزول عنك، كل إشكال فهاهنا قضيتان:

الأولى: وهي البراءة من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تؤخر ولا تؤجل.. بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق.

الثانية: البراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم. وإليك التفصيل والبيان:-

القضية الأولى: وهي الكفر بالطواغيت التي تعبد من دون الله عز وجل، سواء اكانت هذه الطواغيت أصناماً من حجر، أو شمساً أو قمراً، أو قبراً أو شجراً، أو تشريعات وقوانين من وضع البشر.. فملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين تستلزم إظهار الكفر بهذه المعبودات كلها وإبداء العداوة والبغضاء لها، وتسفيه قدرها والحط من قيمتها وشأنها وإظهار زيفها ونقائصها وعيوبها منذ أول الطريق. وهكذا كان حال الأنبياء حين كانوا يبدأون دعوتهم لأقوامهم بقولهم: ( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل: 36]، ومن هذا قول الله تعالى عن الحنيف إبراهيم عليه السلام: ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 75].

وقوله في الأنعام: ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) [الأنعام: 78]، وقوله: ( إذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ).. [الزخرف: 27].

وكذا قوله سبحانه عن قوم إبراهيم: ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) [الأنبياء: 60]. قال المفسرون: ( يذكرهم ) أي يعيبهم ويستهزىء بهم ويتنقصهم. والكتاب والسنة يمتلئان بالأدلة على ذلك.. ويكفينا من ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وكيف كان يسفه آلهة قريش ويظهر البراءة منها والكفر بها حتى كانوا يلقبونه بالصابئ.

وإن شئت أن تتأكد من ذلك وتتيقنه فارجع وتدبر القرآن المكي، الذي ما كانت تتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم منه بضع آيات حتى تضرب بها أكباد المطي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وتتناقلها الألسنة في الأسواق والمجالس والنوادي.. وكانت هذه الآيات تخاطب العرب بلغتهم العربية المفهومة.. بكل وضوح وجلاء تسفه آلهتهم وعلى رأسها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أعظم الآلهة عند القوم في ذلك الزمان، وتعلن البراءة منها وعدم الالتقاء معها أو الرضى بها وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليكتم شيئاً من ذلك.. إن هو إلا نذير.

فالذين يصدّرون أنفسهم للدعوة في هذا الزمان بحاجة إلى تدبر هذا الأمر جيداً ومحاسبة أنفسهم عليه كثيراً، لأن دعوة تسعى لنصرة دين الله ثم تلقي بهذا الأصل الأصيل وراءها ظهرياً لا يمكن أن تكون على منهج الأنبياء والمرسلين.. وها نحن نعايش في هذا الزمان انتشار شرك التحاكم إلى الدساتير والقوانين الوضعية بين ظهرانينا، فيلزم هذه الدعوات ولا بد، التأسي بنبيها في اتباع ملة إبراهيم بتسفيه قدر هذه الدساتير وتلك القوانين وذكر نقائصها للناس وإبداء الكفر بها وإظهار وإعلان العداوة لها ودعوة الناس إلى ذلك.. وبيان تلبيس الحكومات وضحكها على الناس.. وإلا فمتى يظهر الحق، وكيف يعرف الناس دينهم حق المعرفة، ويميزون الحق من الباطل والعدو من الولي.. ولعل الغالبية يتعذرون بمصلحة الدعوة وبالفتنة.. وأي فتنة أعظم من كتمان التوحيد والتلبيس على الناس في دينهم، وأي مصلحة أعظم من إقامة ملة إبراهيم وإظهار الموالاة لدين الله والمعاداة للطواغيت التي تعبد ويدان لها من دون الله، وإذا لم يبتل المسلمون لأجل ذلك وإذا لم تقدم التضحيات في سبيله فلأي شيء إذاً يكون البلاء.. فالكفر بالطواغيت كلها واجب على كل مسلم بشطر شهادة الإسلام.. وإعلان ذلك وإبداؤه وإظهاره واجب عظيم أيضاً لا بد وأن تصدع به جماعات المسلمين أو طائفة من كل جماعة منهم على الأقل، حتى يشتهر وينتشر ويكون هو الشعار والصفة المميزة لهذه الدعوات كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس في زمن التمكين وحسب بل وفي زمن الاستضعاف، حيث كان يشار إليه بالأصابع ويحذر منه ويوصف بعداوة الآلهة وغير ذلك.. وإننا لنعجب أي دعوة هذه التي يتباكى أولئك الدعاة على مصلحتها وأي دين هذا الذي يريدون إقامته وإظهاره وأكثرهم يلهج بمدح القانون الوضعي - ويا للمصيبة - وبعضهم يثني عليه ويشهد بنزاهته وكثير منهم يقسم على احترامه والالتزام ببنوده وحدوده، عكساً للقضية والطريق فبدلاً من إظهار وإبداء العداوة له والكفر به، يظهرون الولاء له والرضى عنه، فهل مثل هؤلاء ينشرون توحيداً أو يقيمون ديناً؟! إلى الله المشتكى..

وإبداء هذا الأمر وإظهاره ليس له علاقة بتكفير الحاكم أو إصراره على الحكم بغير شريعة الرحمن.. لأنه متعلق بالدستور أو التشريع أو القانون القائم المحترم المطبق المبجل المحكم بين الناس.

القضية الثانية: وهي البراءة من المشركين والكفر بهم وإظهار العداوة والبغضاء لهم هم أنفسهم.

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: "وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" أهـ. وينسب لشيخ الإسلام وهذه القضية -أي البراءة من المشركين- أهم من الأولى أعني (البراءة من معبوداتهم).

يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى في "سبيل النجاة والفكاك" عند قوله تعالى: ( إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ) [الممتحنة: 4]: "وهاهنا نكتة بديعة وهي أن الله تعالى قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها لا يكون آتياً بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وكذا قوله: ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) [مريم: 48] الآية. فقدّم اعتزالهم على اعتزال ما يدعون من دون الله. وكذا قوله: ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ) [مريم: 49]، وقوله: ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله ) [الكهف: 16]، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك باباً إلى عداوة أعداء الله. فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله فلا يكون مسلماً بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين"(4) أهـ.

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية: "والمرء قد ينجو من الشرك ويحب التوحيد، ولكنه يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم. فيكون متبعاً لهواه داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه فلا يحب ولا يبغض لله ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه، وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله" أه من جزء الجهاد ص681.

ويقول أيضاً في رسالة أخرى له من الكتاب نفسه ص842: "وأفضل القرب إلى الله مقت أعدائه المشركين وبغضهم وعداوتهم وجهادهم وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك، فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه" أهـ.

ويقول سليمان بن سحمان:

فمن لم يعاد المشركين ولم يوال ولم يبغض ولم يتجنب

فليس على منهاج سنة أحمد وليس على نهج قويم معرب


وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " لا بد للمسلم من التصريح بأنه من هذه الطائفة المؤمنة، حتى يقويها وتقوى به ويفزع الطواغيت، الذين لا يبلغون الغاية في العداوة حتى يصرح لهم أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم". أه من مجموعة التوحيد.

وسئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ولكن لا يعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فكان مما أجابا به: "من قال لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فهو غير مسلم؟ وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ) [النساء: 151]. أهـ. من الدرر(5).

يقول سليمان بن سحمان:

فعاد الذي عادى لدين محمد ووال الذي والاه من كل مهتد

وأحبب لحب الله من كان مؤمناً وأبغض لبغض الله أهل التمرد

وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البرا من كل غاو ومعتد


ويقول أيضاً:

نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر

وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تهاجيهم وللكفر تنصر

فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر

مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر

وتكفيرهم جهراً وتسفيه رأيهم وتضليلهم فيما أتوه وأظهروا

وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهموا سراً لذاك وتجهر

فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر


بالطبع لا نقول إن إظهار مثل هذه البراءة والعداوة شاملة حتى للمؤلفة قلوبهم، أو من يظهرون التقبل ولا يظهرون العداوة لدين الله، وإن كان الواجب وجودها في القلب لكل مشرك، حتى يتطهر من شركه، ولكن الكلام على الإظهار والإعلان والمجاهرة والإبداء، فهؤلاء وحتى المتجبرين والظالمين يُدعون إلى طاعة الله بالحكمة والموعظة الحسنة ابتداء فإن استجابوا فهم إخواننا نحبهم بقدر طاعتهم ولهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وإن أبوا مع وضوح الحجة واستكبروا وأصروا على ما هم عليه من الباطل والشرك ووقفوا في الصف المعادي لدين الله، فلا مجاملة معهم ولا مداهنة.. بل يجب إظهار وإبداء البراءة منهم عند ذلك.. وينبغي التفريق هنا بين الحرص على هداية المشركين والكفار وكسب أنصار للدين واللين في البلاغ والحكمة والموعظة الحسنة وبين قضية الحب والبغض والموالاة والمعاداة في دين الله، لأن كثيراً من الناس يخلط في ذلك فتستشكل عليهم كثير من النصوص مثل: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" وما إلى ذلك.

وقد تبرأ إبراهيم من أقرب الناس إليه، لما تبين له أنه مصرّ على شركه وكفره، قال تعالى عنه: ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) [التوبة: 114].. ذلك بعد أن دعاه بالحكمة والموعظة الحسنة، فتجده يخاطبه بقوله: ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ) [مريم: 43].. ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) [مريم: 45].. وهكذا موسى مع فرعون.. بعد أن أرسله الله إليه وقال: ( فقولا له قولاً ليّنا لعله يتذكر أو يخشى ) [طه: 44].. فقد بدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: ( هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى ) وأراه الآيات والبينات.. فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا ) [الإسراء: 102]. بل ويدعو عليهم قائلاً: ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [يونس: 88]، فالذين يدندنون على نصوص الرفق واللين والتيسير على إطلاقها ويحملونها على غير محملها، ويضعونها في غير موضعها، ينبغي لهم أن يقفوا عند هذه القضية طويلاً، ويتدبروها ويفهموها فهماً جيداً.. إن كانوا مخلصين..

وليعلموا بعد ذلك جيداً، أن من كُلم بشتى الأساليب وأغلبها من أساليب الرفق واللين، سواء عن طريق الرسائل والكتب أو مباشرة ومواجهة عن طريق كثير من الدعاة، وبُيّن له أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر.. وعلم بأنه لا يجوز له الحكم بغير شريعة الله.. ولكنه برغم ذلك يصر ويستكبر.. وإن كان في ظاهره في كثير من المناسبات يضحك على أذقان المساكين بوعوده الفارغة الكاذبة وكلماته المعسولة وحججه الواهية الزائفة.. ولسان حاله يكذب مقاله. وذلك بإقراره وسكوته عن ازدياد الكفر والفساد في البلاد والعباد يوماً بعد يوم.. وتشديده على الدعاة والمؤمنين، وتضييقه على المصلحين ورصده لهم بأجهزة مخابراته وشرطته.. وتوسيعه في الوقت ذاته على كل محارب لدين الله، وتسهيل وسائل الفساد والإفساد لأعداء الله بل وتسخير وسائل الإعلام لهم ولفسادهم ولإلحادهم.. وإصدار القوانين واللوائح التي تعاقب كل من تهجم على ياسقه العصري الوضعي الشركي أو أعلن الكفر والبراءة منه أو تنقصه أو بيّن باطله للناس.. وإصراره على إبقائه الحاكم الذي يفصل بين العباد في دمائهم وأموالهم وفروجهم، رغم ما هو مشحون به من الكفر البواح.. وعدم استسلامه لشرع الله وتحكيمه مع علمه بوجوب ذلك ومطالبة المصلحين به.. فمثل هذا لا تجوز مداهنته أو مهادنته أو مجاملته أو تبجيله بألقابه أو تهنئته بالأعياد والمناسبات أو إظهار الولاء له أو لحكومته.. بل لا يقال له إلا كما قال إبراهيم والذين معه لقومهم: إنا برءاء منك ومن دستورك وقوانينك الشركية وحكومتك الكفرية.. كفرنا بكم.. وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى ترجعوا إلى الله وتستسلموا وتنقادوا لشرعه وحده.. ويدخل في ذلك أيضاً التحذير من موالاتهم ومن الدخول في طاعتهم والاطمئنان إليهم والمشي في ركابهم وتكثير سوادهم عن طريق الوظائف التي تعينهم على باطلهم أو تثبت حكوماتهم وتحفظ أو تنفذ قوانينهم الباطلة كالجيش والشرطة والمباحث وغير ذلك..

ولقد كانت مواقف السلف مع أمراء زمانهم - الذين لا تصح بحال من الأحوال مقارنتهم بهذا الطاغوت وأمثاله - مواقف حازمة واضحة نظيفة.. وأين مواقف كثير من أصحاب الدعوات في زماننا هذا منها.. مع شهرة هؤلاء وتصفيق أتباعهم لهم.. ومع أن أولئك السلف ما تخرجوا من كليات العلوم السياسية أو الحقوق، ولا كانوا يقرأون الجرائد أو المجلات النتنة بحجة التبصر بمكايد الأعداء.. مع ذلك كانوا يفرون من السلطان وأبوابه والسلطان يطلبهم ويغريهم بالأموال وغيرها.. أما المنتسبون إليهم اليوم ممن لعب الشيطان بدينهم فيطلبون صلاح دنياهم بفساد دينهم؛ فيأتون ويطلبون أبواب السلطان والسلطان يذلهم ويعرض عنهم.. وكان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن الدخول على أمراء الجور، حتى لمن أراد أمرهم بالمعروف أو نهيهم عن المنكر، مخافة أن يفتتن بهم فيداهنهم أو يجاملهم لإكرامهم أو يسكت عن بعض باطلهم ويقره، ويرون أن البعد عنهم واعتزالهم خير براءة وإنكار لأحوالهم.. واستمع إلى سفيان الثوري وهو يكتب إلى عباد بن عباد فيقول في كتابه: "إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك ويقال لك لتشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإن ذلك خديعة إبليس.. وإنما اتخذها فجار القراء سلماً.." اه. من سير أعلام النبلاء (13/586) وجامع بيان العلم وفضله (1/179) فانظر إلى سفيان رحمه الله تعالى وهو يسمي ما يصفه دعاة اليوم بمصلحة الدعوة: "خديعة إبليس".. ولم يقل لصاحبه كما يفعل كثير من دعاة هذا الزمان الذين يضيعون أعمارهم في طلب مصلحة الدعوة ونصر الدين عند أعدائه ومحاربيه: "لا يا أخي!! اثبت وجودك وتقرب إليهم لعلك تحصل على منصب أو كرسي في مجلس الوزراء أو مجلس الأمة، ولعلك تقلل من الظلم أو تنفع إخوانك. ولا تترك هذا المنصب للعصاة والفجرة ليستغلوه.. و… و.." بل وصف ذلك بأنه سلم للدنيا عند فجار القراء وإذا كان هذا في زمانه فكيف في زماننا. نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من شر أهل هذا الزمان وشر تلبيساتهم.. ورحم الله من قال:

قوم تراهم مهطعين لمجلس فيه الشقاء وكل كفر دان

بل فيه قانون النصارى حاكماً من دون نص جاء في القرآن

تبّاً لكم من معشر قد أشربوا حب الخلاف ورشوة السلطان

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:37 am

وهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يكرر كثيراً ما جاء عن سفيان الثوري من قوله: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:


إما أن يكون فتنة لغيره بالجلوس معه، وقد ورد في الحديث: "من سن في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم.


أن يقع في قلبه شيء من الاستحسان، فيزل به فيدخله الله النار بسبب ذلك.


أن يقول: "والله ما أبالي بما تكلموا وإني واثق من نفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه الله إياه" اه. من الدرر السنية وغيرها.

فإذا كانت هذه أقوالهم في مجالسة أهل البدع وإن كانت بدعهم غير مكفرة كما هو معلوم في مواضع كثيرة من كلامهم.. فكيف بمجالسة المرتدين من عبيد القانون وغيرهم من المشركين.. وتأمل قوله في الثالثة: "إني واثق من نفسي" وكم سقط بسببها وبمثلها كثير من دعاة زماننا، فالسلامة.. السلامة..

وعلى كل حال فقد أبطل الله تعالى جميع هذه الطرق المعوجة التي يحلم أصحابها أن وراءها نصراً للدين.. فبين جل وعلا أن لا نصر يرتجى ولا مصلحة دينية أبداً في التقرب إلى الظلمة.. فقال سبحانه في سورة هود التي شيَّبَت النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) [هود: 113]، فليس وراء هذه المداهنات والسبل الملتوية نصراً لدين الله ولا مصلحة وإن توهم ذلك المتوهمون.. اللهم إلا أن يكون مسيس النار عندهم مصلحة للدعوة.. فأفق من نومك، ولا تغتر بكل ناعق وزاعق..

وقد قال المفسرون في قوله تعالى: ( ولا تركنوا ) الركون هو الميل اليسير.

وقال أبو العالية: لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام.

وقال سفيان الثوري: من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً أو ناولهم قرطاساً دخل في ذلك.

قال الشيخ حمد بن عتيق: فتوعد سبحانه بمسيس النار من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن -وهو من أئمة الدعوة النجدية السلفية أيضاً- بعد أن ذكر بعض أقوال المفسرين السابقة في معنى الركون: "وذلك لأن ذنب الشرك أعظم ذنب عصي الله به على اختلاف رتبه، فكيف إذا انضاف إليه ما هو أفحش، من الاستهزاء بآيات الله وعزل أحكامه وأوامره وتسمية ما ضاده وخالفه بالعدالة، والله يعلم ورسوله والمؤمنون أنها الكفر والجهل والضلالة، ومن له أدنى أنفة وفي قلبه نصيب من الحياة يغار لله ورسوله وكتابه ودينه ويشتد إنكاره وبراءته في كل محفل، وكل مجلس، وهذا من الجهاد الذي لا يحصل جهاد العدو إلا به، فاغتنم إظهار دين الله والمذاكرة به وذم ما خالفه والبراءة منه ومن أهله، وتأمل الوسائل المفضية إلى هذه المفسدة الكبرى وتأمل نصوص الشارع في قطع الوسائل والذرائع، وأكثر الناس ولو تبرأ من هذا ومن أهله، فهو جند لمن تولاهم وأنس بهم وأقام بحماهم والله المستعان" اه من الدرر، جزء الجهاد ص161. فلله دره كأنّه يتكلم عن زماننا.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوّله وأُسّه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين منكم نسباً واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم. أو جادل عنهم أو لم يكفرهم، أو قال ما عليّ منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى إثماً مبيناً، فقد كلّف الله كل مسلم ببغض الكفار، وافترض عليه عداوتهم، وتكفيرهم والبراءة منهم، ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً" أهـ. من مجموعة التوحيد.

تنبيه : واعلم بعد ذلك كله، أن لا تنافي بين القيام بملة إبراهيم والأخذ بأسباب السرية والكتمان في العمل الجاد لنصرة الدين.. وكلامنا هذا كله لا يرد هذا السبب العظيم الذي كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه من سيرته أكثر من أن تحصى.. ولكن الذي يقال: إن هذه السرية يجب أن توضع في مكانها الحقيقي.. وهي سرية التخطيط والإعداد، اما ملة إبراهيم والكفر بالطواغيت ومناهجهم وآلهتهم الباطلة فهذه لا تدخل في السرية بل من علنية الدعوة فينبغي إعلانها منذ أول الطريق كما بينا سابقاً، وعلى ذلك يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق".. الحديث. رواه مسلم وغيره.. أما إخفاؤها وكتمها مداهنة للطواغيت، وتغلغلاً في صفوفهم وارتقاء في مناصبهم.. فليس من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. بل هو من هدي وسرية أصحاب التنظيمات الأرضية الذين يجب أن يقال لهم أيضاً: ( لكم دينكم ولي دين ).. وخلاصة الأمر أنها: سرية في الإعداد والتخطيط علنية في الدعوة والتبليغ.

وإنما قلنا ذلك لأن كثيراً من الناس سواء من المرجفين أو ممن لم يفهموا دعوة الأنبياء حق الفهم، يقولون عن جهل منهم إن هذه الطريق التي تدعون إليها تكشفنا وتفضح تخطيطاتنا وتعجّل بالقضاء على الدعوة وثمراتها..

فيقال لهم أولاً: إن هذه الثمرات المزعومة لن تينع ولن يبدو صلاحها حتى يكون الغراس على منهاج النبوة، وواقع هذه الدعوات العصرية أكبر دليل وشاهد على ذلك بعد الأدلة الشرعية المتقدمة من ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. حيث إن ما نعانيه اليوم من جهل أبناء المسلمين والتباس الحق عليهم بالباطل، وعدم وضوح مواقف الولاء والبراء، إنما هو من سكوت وكتمان العلماء والدعاة لهذا الحق ولو أنهم صرحوا وصدعوا به وابتلوا كما هو حال الأنبياء لظهر وبان للناس جميعاً، ولتمحص وتميز بذلك أهل الحق من أهل الباطل ولبلغت رسالات الله ولزال التلبيس الحاصل على الناس خاصة في الأمور المهمة والخطيرة في هذا الزمان، وكما قيل: "إذا تكلم العالم تقية والجاهل بجهله فمتى يظهر الحق". وإذا لم يظهر دين الله وتوحيده العملي والاعتقادي للناس.. فأي ثمار تلك التي ينتظرها ويرجوها هؤلاء الدعاة.؟

أهي (الدولة الإسلامية)؟ إن إظهار توحيد الله الحق للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد هي الغاية العظمى والمقصود الأهم وإن نكّل بالدعوات وإن ابتلي الدعاة..

وهل يظهر الدين إلا بالمدافعة والبلاء: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) [البقرة: 251]، فبذلك يكون إعلاء دين الله وإنقاذ الناس وإخراجهم من الشرك باختلاف صوره، وهذه هي الغاية التي يكون من أجلها البلاء وتنحر على عتباتها التضحيات.. وما الدولة الإسلامية أصلاً إلا وسيلة من وسائل هذه الغاية العظمى.. وفي قصة أصحاب الأخدود عبرة لأولي الألباب فإن ذلك الغلام الداعية الصادق ما أقام دولة ولا صولة ولكنّه أظهر توحيد الله أيما إظهار، ونصر الدين الحق نصراً مؤزراً ونال الشهادة، وما قيمة الحياة بعد ذلك، وما وزن القتل والحرق والتعذيب إذا فاز الداعية بالفوز الأكبر.. كانت الدولة أم لم تكن.. وإن حُرِّق المؤمنين وإن خُدَّت لهم الأخاديد فإنهم منتصرون لأن كلمة الله هي الظاهرة والعليا.. أضف إلى ذلك أن الشهادة طريقهم والجنة نزلهم.. فأنعم بذلك أنعم..

وبهذا تعلم أن قول أولئك الجهّال: "إن هذه الطريق تقضي على الدعوة وتعجل ببوار ثمراتها" جهل وإرجاف، لأن هذه الدعوة هي دين الله الذي وعد الله عز وجل بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك كائن لا ريب فيه، ونصرة دين الله وإعلاؤه ليست متعلقة بأشخاص هؤلاء المرجفين، تذهب بذهابهم أو تهلك بهلاكهم أو توليهم.. قال تعالى: ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [محمد: 38]. وقال: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [المائدة: 54]، وقال سبحانه: ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) [الحديد: 24]، وها هي دعوات الرسل والأنبياء وأتباعهم خير شاهد في شعاب الزمان.. وقد كانوا أشد الناس بلاءً وامتحاناً وما أثّر ذلك البلاء في نور دعواتهم، بل ما زادها إلا ظهوراً واشتهاراً وتغلغلاً في قلوب الناس وبين صفوفهم، وها هي إلى اليوم ما زالت نوراً يهتدي به السائرون في طريق الدعوة إلى الله، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه.

ثم ومع ذلك كلّه فلا بد من معرفة قضية أخيرة هنا.. وهي أن هذا الصدع بإظهار العداوة والبراءة من الكفّار المعاندين وإبداء الكفر بمعبوداتهم وباطلهم المتنوع في كل زمان، وإن كان هو الأصل في حال الداعية المسلم.. وهو صفة الأنبياء وطريق دعوتهم المستقيم الواضح.. ولن تفلح هذه الدعوات ولن يصلح مرادها وحالها ولن يظهر دين الله ولن يعرف الناس الحق إلا بالتزام ذلك واتباعه، مع ذلك يقال بأنّه إذا صدعت به طائفة من أهل الحق سقط عن الآخرين والمستضعفين منهم من باب أولى، وذلكم الصدع به، أما هو بحد ذاته فإنّه واجب على كل مسلم في كل زمان ومكان لأنّه كما أسلفنا من لا إله إلا الله التي لا يصح إسلام امرىء إلا بها، أما أن يهمل ويلغى الصدع به كلية من حساب الدعوات مع أنّه أصل أصيل في دعوات الأنبياء، فأمر غريب محدث ليس من دين الإسلام في شيء، بل دخل على هؤلاء الدعاة الذين يدعون بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم بتقليدهم ومحاكاتهم للأحزاب الأرضية وطرائقها التي تدين بالتقية في كل أحوالها ولا تبالي بالمداهنة أو تتحرج من النفاق..

واستثناؤنا هذا غير نابع من الهوى والتكتيكات العقلية بل من النصوص الشرعية النقلية الكثيرة.. والمتأمل لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد الاستضعاف يتجلى له ذلك واضحاً.. وانظر على سبيل المثال لا الحصر.. قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي في صحيح مسلم ومحل الشاهد منها قوله، قلت: "إني متبعك". قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني.. الحديث" قال النووي: "معناه قلت له إني متبعك على إظهار الإسلام هنا وإقامتي معك. فقال: لا تستطيع ذلك لضعف شوكة المسلمين ونخاف عليك من أذى كفار قريش ولكن قد حصل أجرك فابق على إسلامك وارجع إلى قومك واستمر على الإسلام في موضعك حتى تعلمني ظهرت فأتني..." أهـ. فهذا واحد قد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في عدم إعلان وإظهار الدين.. لأن دين الله ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشتهرة معروفة ظاهرة في ذلك الوقت ويدلك على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: "ألا ترى حالي وحال الناس".

وقصة إسلام أبي ذر في البخاري أيضاً، ومحل الشاهد منها قوله صلى الله عليه وسلم له: "يا أبا ذر أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل..." الحديث ومع هذا فقد صدع به أبو ذر بين ظهراني الكفّار متابعة منه لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته في ذلك، ومع أنهم ضربوه ليموت كما جاء في الحديث، ومع تكراره لذلك الصدع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه فعله ذلك، ولا خذّله ولا قال له كما يقول دعاة زماننا إنّك بفعلك هذا ستبلبل الدعوة وستثير فتنة، وتضر مصلحة الدعوة أو أخرت الدعوة مائة سنة.. حاشاه من أن يقول مثل ذلك.. فهو قدوة الناس كافة وأسوتهم إلى يوم القيامة في هذا الطريق.. فاستخفاء بعض المستضعفين من اتباع الدعوة شيء وظهور الدين وإعلانه شيء آخر، ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة معروفة مشتهرة، والكل يعرف أن أصلها وقطب رحاها الكفر بطواغيت ذلك الزمان وتوحيد العبادة بكل أنواعها لله عز وجل.. حتى أنّه ليحذر منها وتحارب بشتى الوسائل.. وما احتاج أتباعه المستضعفين أصلاً للاستخفاء والهجرة وما حصل لهم من الأذى والاستضعاف ما حصل إلا بسبب وضوح الدعوة واشتهار أصلها، ولو كان عندهم من المداهنة قليلاً مما عند أهل زماننا لما حصل لهم ذلك كله.

وبمعرفتك لهذه النكتة تتضح لك فائدة أخرى مهمة: وهي جواز مخادعة الكفّار وتخفي بعض المسلمين بين صفوفهم أثناء المواجهة والقتال إذا ما كان الدين ظاهراً وأصل الدعوة مشتهراً.. ففي هذه الأحوال يصح الاستشهاد بحادثة قتل كعب بن الأشرف وأمثالها.. أما أن يضيع كثير من الدعاة أعمارهم في جيوش الطواغيت موالين مداهنين يحيون ويموتون وهم في خدمتهم وخدمة مؤسساتهم الخبيثة بحجة الدعوة ونصر الدين.. فيلبسوا على الناس دينهم ويقبروا التوحيد.. فهذه السبل في المغرب ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه عنها في أقاصي المشرق.

سارت مشر‍ِّقةً وسرت مغرّباً شتّان بين مشرِّقٍ ومغرِّبِ


فملة إبراهيم إذاً هي طريق الدعوة الصحيحة.. التي فيها مفارقة الأحباب وقطع الرقاب.. أما غيرها من الطرائق والمناهج الملتوية والسبل المعوجة المنحرفة تلك التي يريد أصحابها إقامة دين الله دون أن يستغنوا عن المراكز والمناصب، ودون أن يغضبوا أصحاب السلطان.. أو يفقدوا القصور والنسوان والسعادة في الأهل والبيوت والأوطان، فليست من ملة إبراهيم في شيء. وإن ادعى أصحاب هذه الدعوات أنهم على منهج السلف ودعوة الأنبياء والمرسلين.. فوالله لقد رأيناهم.. رأيناهم كيف يبشون في وجوه المنافقين والظالمين بل والكفّار المحادين لله ورسوله لا لدعوتهم ورجاء هدايتهم، بل يجالسونهم مداهنةً وإقراراً لباطلهم ويصفقون لهم ويقومون لهم إكراماً يبجلونهم ويدعونهم بألقابهم.. نحو: صاحب الجلالة والملك المعظم والرئيس المؤمن وصاحب السمو بل وإمام المسلمين وأمير المؤمنين مع أنهم حرب على الإسلام والمسلمين(6).. نعم والله لقد رأيناهم يغدو أحدهم ويروح.. يبيع دينه بأقل من جناح بعوضة.. يمسي مؤمناً يدرس التوحيد وربما درّسه ويصبح يقسم على احترام الدستور بقوانينه الكفرية، ويشهد بنزاهة القانون الوضعي.. ويكثر سواد الظالمين ويلقاهم بوجه منبسط ولسان عذب.. مع أنّهم يمرون بآيات الله الليل والنهار تنهاهم عن الركون للظالمين أو طاعتهم والرضى عن بعض باطلهم.. فهم يقرأون هذه الآيات، كقوله تعالى: ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) [هود: 113]، وقوله عز وجل: ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم... ) الآية [النساء: 140].

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معنى قوله تبارك وتعالى: ( إنكم إذاً مثلهم ) ، "الآية على ظاهرها وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم وإن لم يفعل فعلهم.." اه من الدرر جزء الجهاد ص79.

وقوله عز وجل: ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) [الأنعام: 68].

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:38 am

قال الحسن البصري: لا يجوز له القعود معهم خاضوا أو لم يخوضوا لقوله تعالى: ( وإمّا ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) [الأنعام: 68]، وكذا قوله تعالى: ( ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً ) [الإسراء: 74].

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلوات الله وسلامه عليه فكيف بغيره" اه. من الدرر جزء الجهاد ص47.
ويقرأون قوله تعالى واصفاً المؤمنين: ( والذين هم عن اللغو معرضون ) [المؤمنون: 3]، وقوله: ( والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كِراماً ) [الفرقان: 72].

ويزعمون أنهم على منهج السلف، والسلف كانوا يفرون من أبواب السلاطين ومناصبهم في عهد أرباب الشريعة والهدى لا في عهود الجور والظلمات.. ووالله ما وضع السيف على رقابهم ولا علقوا من أرجلهم وما أجبروا على ذلك.. بل فعلوه مختارين ومنحوا عليه الأموال الطائلة.. والحصانات الدبلوماسية.. فنعوذ بالله من هوى النفوس وطمس البصائر.. وليتهم أعلنوها وقالوا: فعلناها حرصاً على الدنيا.. بل يقولون مصلحة الدعوة ونصر الدين.. فعلى من تضحكون يا مساكين.. أعلينا نحن الضعفاء؟؟ فإننا وأمثالنا لا نملك لكم ضراً ولا نفعاً... أم على جبار السموات والأرضين، الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم سركم ونجواكم..

ولقد سمعناهم يرمون من خالفهم أو انكر عليهم ذلك، بضحالة الفكر وقلة الخبرة وأنهم ليس عندهم حكمة في الدعوة ولا صبر في اقتطاف الثمر أو بصيرة في الواقع والسنن الكونية.. وأنهم ينقصهم علم بالسياسة وعندهم قصور في التصورات.. وما درى هؤلاء المساكين.. أنهم لا يرمون بذلك أشخاصاً محددين، وإنما يرمون بذلك دين جميع المرسلين وملة إبراهيم.. التي من أهم مهماتها إبداء البراءة من أعداء الله والكفر بهم وبطرائقهم المعوجة وإظهار العداوة والبغضاء لمناهجهم الكافرة.. وما دروا أن كلامهم ذلك يقتضي أن إبراهيم والذين معه لم يكن عندهم حكمة بالدعوة ولا دراية بالواقع.. وأنهم كانوا متطرفين متسرعين.. مع أن الله عز وجل قد زكاهم وأمرنا بالتأسي بهم.. فقال: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ( ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) [النساء: 125]، ونزه سبحانه إبراهيم من السفه فوصفه بالرشد فقال: ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) [الأنبياء: 51]، ثم ذكر دعوته، بل بيّن سبحانه كما قدمنا أن ملة إبراهيم لا يرغب عنها إلا السفيه.. وأنى للسفيه حكمة الدعوة ووضوح التصورات وصحة المنهج واستقامة الطريق المزعومة..؟؟


--------------------------------------------------------------------------------

(1) ولن يستطيع العبد مواجهة الشرك وأهله ولن يقوى على التبرؤ منهم وإظهار العداوة لباطلهم إلا بعبادة الله حق عبادته، ولقد أمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن وقيام الليل في مكة وأعلمه بأن ذلك هو الزاد الذي يعينه على تحمل أعباء الدعوة الثقيلة وذلك قبل قوله: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) [المزمل: 5]، فقال: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً) [المزمل: 1-4]، فقام صلوات الله وسلامه عليه وقام معه أصحابه حتى تفطرت أقدامهم.. إلى أن أنزل سبحانه التخفيف في آخر الآيات.
وإن هذا القيام بتلاوة آيات الله عز وجل وتدبر كلامه.. لخير زاد ومعين للداعي، يثبته ويعينه على مشاق الدعوة وعقباتها.. وإن الذين يظنون أنفسهم قادرين على تحمل الدعوة العظيمة بأعبائها الثقيلة بدون إخلاص العبادة لله عز وجل وبدون إطالة ذكره وتسبيحه لمخطئون وواهمون.. وإن ساروا خطوات، فلن يستطيعوا مواصلة الطريق الصحيح المستقيم بغير زاد.. وإن خير الزاد التقوى..
ولقد وصف الله عز وجل أصحاب هذه الدعوة والذين أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يصبر نفسه معهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبأنهم قليلاً من الليل ما يهجعون.. وتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.. ويخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريراً.. وغير ذلك من الصفات التي لا يصلح لهذه الدعوة وتحمل أعبائها إلا من اتصف بها، جعلنا الله تعالى وإياك منهم، فتنبه!!

(2) انظر الهامش التالي.

(3) إن أريد أصل العداوة فالكلام على إطلاقه، وإن أريد عموم العداوة؛ إظهارها وتفاصيلها والصدع بها، فالكلام في استقامة الإسلام لا في زوال أصله، وللشيخ عبد اللطيف في كتابه "مصباح الظلام" تفصيل حول هذا الموضوع، فليراجعه من شاء، وفيه قوله: "فالذي يفهم تكفير من لم يصرح بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل ورأيه ضال.." أهـ. وسيأتي تفصيل كلامه لاحقا في هذه الأوراق، ونحن إنما أوردنا مقولاتهم في هذا الفصل لبيان أهمية هذا الأصل الذي طمست معالمه عند أكثر دعاة هذا الزمان. ثم ألحقنا هذه التوضيحات -رغم وضوح الكلام- لنسد الطريق على من يحاولون الصيد في الماء العكر؛ فيبحثون عن عمومات وأشياء ترقّع لهم رمَينا بعقيدة الخوارج.

(4) مقصود الشيخ هنا والله أعلم أن لا يعاديهم ولا يبغضهم جملة وتفصيلاً حتى في قلبه، بل يضمر لهم بدلاً من ذلك الود والمحبة فهذا لا شك قد نقض إيمانه وترك دين جميع المرسلين، قال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله).

(5) انظر الهامش السابق.

(6) فائدة مهمة تفضح علماء الحكومات: اعلم عافانا الله وإياك من تلبيس الملبسين أن ما يفعله كثير من الجهال وإن لقبوا بالمشايخ وتمسّحوا بالسلفية من تلقيب كثير من طغاة هذا الزمان بلقب أمير المؤمنين أو إمام المسلمين.. إنما ينهجون بذلك نهج الخوارج والمعتزلة في عدم اعتبار شرط القرشية في الإمام.. راجع في ذلك صحيح البخاري: كتاب الأحكام (باب: الأمراء من قريش)، وغيره من كتب السنة والفقه والأحكام السلطانية فإنه أمر معروف لن تجد عناء في مراجعته.. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن القاضي عياض قوله: اشتراط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيه خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار. قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم في المعتزلة" اهـ (31/91).
ثم رأيت الشيخ عبد الله أبا بطين وهو من علماء الدعوة النجدية يرد على بعض المعارضين المنكرين لتلقيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن محمد بن سعود بلقب الإمام وهما غير قرشيين.. يقول: "ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم دعا إلى الهدى وقاتل عليه ولم يلقب في حياته بالإمام ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود ما كان أحد في حياته منهم يسمى إماماً، وإنما حدث تسمية من تولى إماماً بعد موتهما" أهـ. انظر الدرر جزء الجهاد ص240، فانظر إلى هذا العالم الرباني كيف يتبرأ من ذلك وينكره رغم أن المذكورين كانا من دعاة الهدى، ولا يكابر مكابرة كثير من مشايخ الحكومات في هذا الزمان الذين يصرون على تسمية طواغيتهم بالإمام وأمير المؤمنين.. فبشراهم بأنهم على نهج الخوارج سائرون.. ذلك الوصف الذي طالما رموا به طلبة العلم ودعاة الحق الذين ينابذون طواغيتهم..

ورموهمُ بغياً بما الرامي به أولى ليدفع عنه فعل الجاني

يرمي البريء بما جناه مباهتاً ولذاك عند الغرّ يشتبهان


وهذا كله بالنسبة لشرط القرشية، فكيف إذا انضم إلى ذلك انعدام العدالة والعلم والحكمة وغير ذلك من شروط الإمامة؟ وكيف إذا عُدم الإسلام والإيمان؟ كيف، كيف؟

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:39 am

الفصل الثاني [الكاتب: أبو محمد المقدسي]

واعلم ثبّتنا الله وإيّاك على صراطه المستقيم أن هذه البراءة والعداوة التي تقتضي ملة إبراهيم إعلانها وإبداءها لأهل الكفر ومعبوداتهم، تكلف الكثير الكثير..

فلا يظن ظان أن هذه الطريق مفروشة بالورد والرياحين أو محفوفة بالراحة والدعة، بل هي والله محفوفة بالمكاره والابتلاءات.. ولكن ختامها مسك وروح وريحان ورب غير غضبان.. ونحن لا نتمنى البلاء لأنفسنا ولا للمسلمين، ولكن البلاء هو سنة الله عز وجل في هذه الطريق، ليميز به الخبيث من الطيب، فهي الطريق التي لا ترضي أصحاب الهوى والسلطان لأنها مصادمة صريحة لواقعهم، وبراءة واضحة من معبوداتهم وشركياتهم.. أما غير هذه الطريق، فإنك تجد أصحابها في الغالب مترفين وللدنيا راكنين، لا يبدو عليهم أثر البلاء، لأن المرء إنما يبتلى على قدر دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.. وأتباع ملة إبراهيم من أشد الناس بلاء لأنهم يتبعون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله.. كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي.." رواه البخاري..

فإن رأيت في زماننا من يزعم أنه يدعو لمثل ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم وبمثل طريقته، ويدعي أنه على منهجه، ولا يعادى من أهل الباطل والسلطان، بل هو مطمئن مرتاح بين ظهرانيهم.. فانظر في حاله.. إما أن يكون ضالاً عن الطريق.. لم يأت بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واتخذ سبلاً معوجة.. أو يكون كاذباً في دعواه يتزيا بما ليس هو أهلاً أن يتزيّا به، إما لهوى مطاع وإعجاب كل ذي رأي برأيه.. أو لدنيا يصيبها كأن يكون جاسوساً وعيناً لأصحاب السلطان على أهل الدين..

وهذا الذي قاله ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان مقرراً في نفوس الصحابة عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث وقف أسعد بن زرارة يذكرهم ويقول: "رويداً يا أهل يثرب، إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، أو قتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله" رواه الإمام أحمد والبيهقي.

فتأمل هذا جيداً فإننا في أمس الحاجة إليه في هذه الأيام التي تلبس فيها كل من هبّ ودبّ بلباس الدعوة والدعاة.. فارجع إلى نفسك وزنها، واعرض عليها هذا الطريق وحاسبها على تقصيرها في ذلك، فإما أن تكون من قوم يصبرون على ذلك فخذها بحقها واسأل الله عز وجل أن يثبتك على ما يعقبها من بلاء.. أو إنك من قوم يخافون من أنفسهم خيفة ولا ترى من نفسك القدرة على القيام والصدع بهذه الملة فذر عنك التزيي بزي الدعاة وأغلق عليك بيتك وأقبل على خاصة أمرك ودع عنك أمر العامة.. أو اعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لك.. فإنه والله كما قال أسعد بن زرارة أعذر لك عند الله، نعم إن ذلك أعذر لك عند الله من أن تضحك على نفسك وعلى الناس إذ لا تقوى على القيام بملة إبراهيم فتتصدر للدعوة بطرق معوجة وتهتدي بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم مجاملاً مداهناً للطواغيت كاتماً غير مظهر للعداوة لهم، ولا لباطلهم.. فوالله ثم والله، إن الذي يعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لهو خير وأهدى سبيلاً منك ساعتئذ.. وصدق من قال:

الصمت أفضل من كلام مداهن نجس السريرة طيب الكلمات

عرف الحقيقة ثم حاد إلى الذي يرضي ويعجب كل طاغ عات

لا تعجبوا يا قوم ممن أخصبوا في هذه الأيام بالكلمات

وعلوا المنابر والصحائف سودوا وتقدموا في سائر الحفلات

والله ما قالوا الحقيقة والهدى كلا ولا كشفوا عن الهلكات

أنى يشير إلى الحقيقة راغب في وصل أهل الظلم والشهوات

أو طالباً للجاه في عصرية التقدير للمشهور بالنزوات

فنصيحتي يا قوم ألا تطمعوا في عصرنا بتوفر الرغبات

عيشوا لدين الله لا لحضارة محفوفة بالريب والشبهات


ولقد رأيناهم كثيراً يسخرون ممن تبينت لهم انحرافاتهم وسبلهم المعوجة، فاعرضوا عنهم وعن دعواتهم تلك التي على غير منهاج النبوة.. رأيناهم يسخرون منهم لاعتزالهم.. ويلمزونهم بالقعود والركون إلى الدنيا والتقصير في الدعوة إلى الله... وإذا كان الأمر كذلك، فأية دعوة هذه التي قصر فيها هؤلاء؟ دعوتكم هذه التي تلجون بها الجيش والشرطة، ومجالس الأمة والبرلمانات الشركية وغير ذلك من الوظائف التي تكثر سواد الظالمين، أم تلك التي تدخلون بها مجالس الفاحشة من الجامعات المختلطة والمعاهد والمدارس الفاسدة وغيرها بحجة مصلحة الدعوة فلا تظهرون دينكم الحق وتدعون فيها بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم .... أم أنهم قصروا في الدعوة الحقّة التي قصر فيها الفريقان وهي (ملة إبراهيم)، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" ونحن نقول إن هذا الحديث في الشرق وأنتم عنه في الغرب، حيث إن المخالطة يجب أن تكون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وليس تبعاً لآرائكم وأهوائكم وأساليب دعوتكم البدعية.. فإن كانت كذلك أي على هديه صلى الله عليه وسلم حصل الأذى والأجر معاً.. وإلا فأي أجر هذا الذي ينتظره من لا يدعو بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهمل شرطاً عظيماً من شروط قبول العمل وهو (الاتباع)، وأي أذى ذلك الذي سيلاقيه من لا يظهر العداوة لأهل الفسق والفجور والعصيان، ولا يعلن البراءة من شركياتهم وطرائقهم المعوجة.. بل يجالسهم ويقر باطلهم ويبش في وجوههم، ولا يتمعر أو يغضب لله طرفة عين إذا انتهكوا حرمات الله، بحجة اللين والحكمة والموعظة الحسنة، وعدم تنفير الناس عن الدين، ومصلحة الدعوة وغير ذلك، ويهدم الدين عروة عروة بمعاول لينهم وحكمتهم البدعية.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية وهو يتكلم عن الصدع بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "وترك ذلك على سبيل المداهنة والمعاشرة ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضرراً وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة فإن هذا الصنف رأوا أن نيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك فخالفوا الرسل وأتباعهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه، والعقل كل العقل ما أوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأي خير يبقى في قلب هذا..." اهـ. من جزء الجهاد ص35.

وتجد بعضهم يضحكون على أتباعهم من الشباب ويحاربون العزلة على الإطلاق ويردّون النصوص الثابتة في ذلك.. ويتغنّون بشعر ابن المبارك رحمه الله تعالى حين أرسل إلى الفضيل يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنّك بالعبادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب



... إلى آخر الأبيات.

ولو أبصرهم عابد الحرمين وأبصر دعواتهم هذه المعوجة فلعله يقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً"...

وأنا أقول: شتان بين دعواتكم وطرائقكم هذه وبين جهاد ابن المبارك وأولئك الصالحين، حتى تنافسوا بها عبادة الصالحين.. بل وربما لو أبصر ابن المبارك دعواتهم هذه لأرسل للفضيل يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتهم لحمدت أنك بالعبادة غائب

من كان لا يدعو بهدي نبيه فهو الجهول بدينه يتلاعب

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:42 am

الفصل الثالث
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]


نعم.. إن ملة إبراهيم تكلف الكثير.. ولكن بها يتعلق نصر الله والفوز الكبير.. وبها يتميز الناس إلى فريقين.. فريق إيمان، وفريق كفر وفسوق وعصيان.. وبها يتضح أولياء الرحمن من أولياء الشيطان.. وهكذا كانت دعوة الأنبياء والمرسلين.. لم تكن عندهم هذه الأوضاع المرضية التي نعيشها اليوم من اختلاط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، ومداهنة ومجالسة أهل اللحى لأهل الفسق والفجور وإكرامهم وتقديرهم وتقديمهم على أهل التقى والصلاح.. رغم إظهار أولئك بغض الدين وعداوته بصور شتى وتربصهم بأهله الدوائر.. بل كانت دعواتهم براءة واضحة من أقوامهم المعرضين عن شرع الله، وعداوة ظاهرة لمعبوداتهم الباطلة، لا التقاء في وسط الطريق ولا مداهنة ولا مجاملة في تبليغ شرع الله...

واستمع إلى نوح في عمق الزمان، وهو يخاطب قومه وحيداً لا يخشى سلطانهم ولا طغيانهم.. يقول: ( يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلي ولا تنظرون ) [يونس: 71].

وهل يقول مثل ذلك رجل مداهن لقومه... إنه كما يقول سيد قطب رحمه الله: "التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالىء يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليُغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟..." اه. كان معه الله، وكفى بالله هادياً ونصيرا... وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في مطلع هذه الآيات أن يتلو ذلك على قومه، فقال: ( واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه... ) [يونس: 71].

وانظر إلى هود صلى الله عليه وسلم وهو يواجه قومه الذين كانوا أشد الناس قوة وأعتاهم بطشاً، يواجههم وحده.. ولكن بثبات كثبات الجبال أو أشد.. استمع إليه وهو يعلن براءته واضحة جلية من شركياتهم ويسمعهم كلماته الخالدة: ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه، فكيدون جميعاً ثم لا تنظرون ) [هود: 55]. يقول لهم ذلك وهو رجل واحد... كيدوني بعددكم وجيشكم وآلهتكم الباطلة.. ( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) [هود: 56].

وإلى الذين يتشدقون بكثير من كلام سيد رحمه الله تعالى، في الوقت الذي يحرصون بل يتسابقون فيه على استجداء الطواغيت المعرضين عن شرع الله من أجل أن يحكموا شرع الله في بعض القضايا، أو كي يمنحوهم إذناً للدعوة إلى الله أو من أجل الحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان... إلى هؤلاء نسوق كلام سيد حول هذه الآيات.. حيث يقول: "إنها انتفاضة التبرّؤ من القوم وقد كان منهم وكان أخاهم وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقاً.. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان.. وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم!

وإن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفّه عقيدتهم ويقرعهم عليها، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريّثون فيفثأ غضبهم. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وزمان بحاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا (الموقف) الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم.. فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود... إنه الإيمان والثقة والاطمئنان.. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. ( إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ) [هود: 56].. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً.. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؟ وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟" أه مختصراً من الظلال.

هكذا كانت أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، مع أقوامهم المعاندين.. وهكذا كانت دعوتهم، صراع دائم مع الباطل، ووضوح في الدعوة، وإعلان للعداوة والبراءة.. ولم تعرف دعواتهم المداهنة أو الرضى عن بعض الباطل أو الالتقاء معه في وسط الطريق.

فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله ومفارقتهم لهم قضية قديمة جداً افترضها الله منذ أن أهبط آدم صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأرض.. وشاءها الله قدراً وشرعاً ليتميز أولياؤه من أعدائه وحزبه من حربه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنمين شهداء.. فقال جلّ وعلا: ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) [الأعراف: 24]، وعلى هذا مضت وسارت قافلة الرسل جميعاً وهذا هو دينهم كما عرفت، قال تعالى: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) [الأنعام: 112]، وقال سبحانه: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ) [الفرقان: 31]، فمنهم من قص الله علينا قصصهم مع أعدائهم ومنهم من لم يقصص... ويؤيد هذا أيضاً حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... والأنبياء أولاد علاّت.." والعلة هي الضرة مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى: وكأن الزوج قد علّ منها بعد ما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد.. يؤيد أن الأنبياء أصل دينهم ودعوتهم وطريقهم واحد وفروعهم مختلفة.

وهكذا كان خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي جاء في وصفه أنه "فرق بين الناس" رواه البخاري، وفي رواية: "فرّق بين الناس". فقد استجاب لأمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فما سكت عن الشرك وأهله أو داهنهم أو جاملهم أو غير ذلك.. بل كان في مكة على قلة اتباعه. واستضعافهم يعلن براءته من الكفار ومعبوداتهم الباطلة.. ويسفهها ويقول كما أمره الله تعالى أن يقول متبرءاً من الشرك ومصرحاً بكفر أهله وبراءتهم من دينه وبراءة دينه منهم:

( قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) [الكافرون: 1-6]. ويصرح لهم بأنه ثابت على طريقته هذه بريء ممن خالفها وأنه من المؤمنين الذين هم أعداء لهم ولدينهم: ( قل يا أيّها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تدعون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ) [يونس: 104]. ويقول تعالى مخاطباً له: ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) ويقول سبحانه معلماً المؤمنين أن يقولوا: ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) [الشورى: 51].

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأحد أصحابه: "إقرأ ( قل يا أيّها الكافرون ) ، ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك". وجاء في "رسالة أسباب نجاة السؤول من السيف المسلول" ما ملخصه: "إن كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) قُيّدت بقيود ثقال فإمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم لم يكتف بمجرد قولها ولم تتم له المحبة والموالاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة. كما يخبر تعالى عنه: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 77]، وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) كما قال تعالى: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) [الزخرف: 28]، فأورثها إمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم فأنزل الله عز وجل بها سورة كاملة هي سورة الكافرون" اه. من مجموعة التوحيد.

وقد صدع بها النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنها وما كتمها، وتحمل هو وأصحابه ما نالهم من أذى على ذلك وما داهنهم لأجل ذلك، وحاشاه من أن يداهنهم، وإنما كان يثبت أولئك المؤمنون ويذكرهم بوعد الله تعالى وجنته، وبمواقف أهل الثبات ممن كانوا قبلهم، كقوله: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" رواه الحاكم وغيره.

وقوله لخباب: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(1).

يقول لأصحابه ذلك.. وفي الوقت نفسه يقول لقريش كما أمره الله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ) [فصلت: 6] والآيات مكية. ويقول: ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ) [الأعراف:195- 197] والآيات مكية.

لذلك كله ولأجل أن دعوته كانت كذلك فإن الظالمين ما رضوا عنه يوماً ما، ولا طابت أنفسهم أو قرت أعينهم بدعوته.. بل ثارت ثائرتهم وقامت قيامتهم.. وكم ساوموه.. ولكنه وقف شامخاً ينظر إلى باطلهم وجموعهم التي يكيدونه بها، ويترفع مع حرصه على هدايتهم عن الالتقاء معهم على الباطل في منتصف الطريق أو اتباع قليل من بعض ما يهوونه أو يحبونه من باطلهم.. بل كان يقول لهم بعد ذلك ودائماً كما أمره ربّه أن يقول: ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) [آل عمران: 12].

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعدما ذكر بعض مواقف الصدع والثبات لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : "فهذه حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل وأوضعوا فيه وأقبلوا وأدبروا وتوددوا وداهنوا وركنوا وعظموا ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: ( ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً ) [الأحزاب: 14]، نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن المعلوم أن الذين أسلموا وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به لولا أنهم تبرؤوا من الشرك وأهله وبادروا المشركين بسب دينهم وعيب آلهتهم لما تصدوا لهم بأنواع الأذى..." أه. من الدرر - جزء الجهاد ص(124).

يقول الشيخ حمد بن عتيق عند كلامه على سورة (البراءة من الشرك): "فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه، والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وإنه بريء منهم ومن دينهم، فعلى من كان متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا لما علم الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم "بالهجرة إلى الحبشة ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين لما أمرهم بالهجرة إلى بلد الغربة" اه. من سبيل النجاة والفكاك. ص(67).

وهنا شبهة يرددها أكثر ما يرددها من لم يفقه ملة إبراهيم عليه السلام ولم يعرف مضمونها :

وذلك قول كثير من الجهال إن ملة إبراهيم منسوخة في حقنا، ويستدلون على ذلك بالأصنام التي كانت حول الكعبة والتي لم يكسرها صلى الله عليه وسلم بزعمهم طوال مكوثه في مكة عهد الاستضعاف.. حتى أنني سمعت أحد هؤلاء وهو من المشايخ المعروفين وقد ملأت كتبه الأسواق، سمعته في محاضرة مسجلة له، يتبجح ويقول ما مجمله: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم أول من أعرض عن ملة إبراهيم هذه التي تريدونها إذ جلس في مكة ثلاث عشرة سنة بين تلك الأصنام لم يحطمها..." فنقول له ولأمثاله: إن الذي صدكم عن فهم ملة إبراهيم ومعرفتها هو انكماش أفهامكم وضيق أفق أذهانكم بحصركم لها في تكسير الأصنام، وظنكم أن ملة إبراهيم التي نقصدها مستوحاة فقط من فعله صلى الله عليه وسلم حين راغ على أصنام قومه ضرباً باليمين، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.. ولما لم يثبت عندكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك مع أصنام قومه.. أمست هذه الملة في أنظاركم الضيقة منسوخة في حقنا كلها، ولا تتناولنا في شيء من الأشياء، وبالتالي فلازم قولكم هذا أن كل ما جاء من الآيات المتقدمة الذكر في الحث على اتباع ملة إبراهيم والتحذير من الإعراض عنها وتفصيل دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، وموقفهم من أقوامهم ومواقف الأنبياء وغيرهم مع أقوامهم.. كل ذلك عبث وزيادة لا طائل تحتها ولا فائدة من ورائها في كتاب الله، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.. ورحم الله ابن القيم إذ يقول:

من كان هذا القدر مبلغ علمه فليستتر بالصمت والكتمان


وتنزه الله وتعالى عن العبث وعن أن يكون في كتابه جل وعلا ما لا فائدة من ذكره.. ومثل هذه الأغاليط ليست من الشبهات التي تستحق طول الرد والتفصيل وما هي إلا تناقضات في أذهان أصحابها حالت دون فهمهم لهذه الملة العظيمة بتفاصيلها.. خاصة وقد علمت فيما تقدم ملة إبراهيم وفهمت مضمونها وما يراد بها.. فعلمت أنها أصل الإسلام ومعنى لا إله إلا الله وأن فيها ما حوته هذه الكلمة من النفي والإثبات وهما التبرؤ من الشرك وأهله وإظهار العداوة لهم، وإخلاص العبادة لله وحده وموالاة أوليائه، وعلمت أن هذا أصل الدين فهو شرع محكم لو اجتمع على دفعه من بأقطارها من عالم وجاهل لما قدروا على رده بحجة أصلاً، وبيّنا لك أن الله تعالى ذكر لنا حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين مع قومهم، وكيف تبرؤوا منهم وأظهروا لهم العداوة والبغضاء.. وأنه سبحانه قال قبل ذكر موقفهم هذا مباشرة: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه بعد ذلك أيضاً: ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) [الممتحنة: 6]، ثم قال سبحانه.. وتنبه لما قال: ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) [الممتحنة: 6]، وعلمت أيضاً أن هذا هو أصل ملة إبراهيم التي نقصدها وندعو إليها ونرى أكثر أهل الأرض مقصرين فيها.. وعلمت أنها الطريق الذي فيه نصر الله عز وجل وإعزاز دينه وتحطيم الشرك وأهله.. وإذا كان الأمر كذلك.. فالرد على هذه الطريق إذاً يكون بأن يصحح ذلك الشيخ عبارته المذكورة فيقول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث عشرة سنة في مكة بين تلك الأصنام لا يتبرأ منها ولا يظهر الكفر بها والعداوة لها" ليقال له بعدها؛ عد نفسك نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً، أو ما شئت، أما ملة الإسلام فقل لها عليك السلام...

ونقول: أما تحطيم الأصنام حقيقة وحسياً كما فعل إبراهيم فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل شيئاً منه حينما تمكن من ذلك وقدر عليه في غفلة من كفار قريش، ولا أعني بعد الفتح بل في مكة في عهد الاستضعاف، كما روى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً فنزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال: اصعد على منكبي. قال فصعدت على منكبيه، قال فنهض بي قال فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس" وبوّب له الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب تكسيره صلى الله عليه وسلم الأصنام) وذكر رواية "كان على الكعبة أصنام فذهبت أحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها..." وفي رواية زاد "فلم يوضع عليها بعد، يعني شيئاً من تلك الأصنام" قال: ورجال الجميع ثقات.. وذكره أبو جعفر الطبري في (تهذيب الآثار) وتكلم على بعض الفوائد الفقهية فيه، أنظر ص236 إلى ص243 من مسند علي فيه..

لذلك فنحن لا نتحرج أبداً من القول بأن ذلك مطلوب منا أيضاً حال القدرة عليه في عهد الاستضعاف وغيره.. سواء كان ذلك الصنم تمثالاً أو قبراً أو طاغوتاً أو نظاماً.. أو غيره، حسب تنوع الصور واختلافها في كل زمان ومكان.. وأقصد بذلك الجهاد والقتال وهو أعلى مراتب إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله...

ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف.. فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة.. فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم.. بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة بل وغيرها هو (اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل: 36].

فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها كما يفعل كثير من الجهال المنتسبين إلى الدعوة مع الياسق العصري في هذا الزمان.. بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه.. وقد فصّلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي، لوضح لك مثل ذلك الكثير.. منه على سبيل المثال، قوله تعالى واصفاً حال نبيه صلى الله عليه وسلم في مكة مع الكفار: ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) [الأنبياء: 36]، قال ابن كثير: "يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم.. إلى غير ذلك".

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:43 am

وإليك أيضاً ما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح في صفته وحاله صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الاستضعاف.. تأمّله وتدبّره وانظر كيف يصف الكفار نبينا صلى الله عليه وسلم بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وو.. وانظر إليهم وهو يحيطون به وحيداً فريداً يقررونه بما يقول ويقولون له: "أنت الذي تقول كذا وكذا؟؟" فيرد عليهم دون مداهنة أو مهابة أو خوف أو وجل، بل بكل صلابة وثبات ووضوح: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال يعقوب: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا. وشتم آبائنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح" فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه! فبينما هم في ذلك، إذ طلع [عليهم] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم، أنا الذي أقول كذا، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، دونه يقول وهو يبكي: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟". ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط" اه. (7036 من المسند تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح) وهو كما قال. وفي رواية أخرى في المسند أيضاً (2/204) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المرة الثانية في صلاة عند الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".

فتأمّل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفته الملائكة كما في صحيح البخاري: "أنه صلى الله عليه وسلم فرّق بين الناس" تأمل حاله هذه مع كفار زمانه وكيف أنها عداوة ظاهرة لكل من عادى الدين، وافتراق طريق، وبراءة واضحة.. وليس كأوضاع أهل زماننا الشاذة من ركون أهل الدين لأهل الباطل.. داهنوهم وجاملوهم بل وآزروهم وناصروهم ولم تعد القضية قضية عداوة ولا براءة، بل تعاون وتكاتف لصالح الوطن والمجتمع وجلسوا في أحضانهم ورضعوا من ألبانهم.. فالله المستعان.

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن وهو يتكلم عن أمثال هؤلاء: "خاضوا في غمرات الافتتان واطمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان، وأكثروا التردد عليهم والمسير إليهم طوعاً واختياراً وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سراً وجهاراً، فأين القلب المطمئن بالإيمان إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان، فما أشبه حال هذا وأمثاله بالضرب الذين ذكرهم العلامة ابن القيم رحمه الله وهم الذين لهم أوفر نصيب من قوله تعالى: ( ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) [آل عمران: 188]، يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص، وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم" اه الدرر - جزء الجهاد ص127.

وها هنا مسألة قد يرد فيها إشكال على البعض، وهي كيفية الجمع بين عيبه صلى الله عليه وسلم آلهتهم ودينهم كما في هذا الحديث وغيره، وبين قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) [الأنعام: 108]، فنقول وبالله التوفيق: أن كل ما ذكرناه مما تقدم في تفصيل ملة إبراهيم من عيب الآلهة الباطلة وتسفيهها والحطّ من قدرها وإن سمّاه البعض سباً.. فإنه ليس سباً مجرداً وإنما أصل المقصود به بيان التوحيد للناس وذلك..

بإبطال ألوهية هذه الأرباب المتفرقة المزعومة والكفر بها وبيان زيفها للخلق: كقوله تعالى: ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ) [الأعراف: 194-197]، وقول إبراهيم عليه السلام: ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) [مريم: 42]، وقوله تعالى في سورة النجم: ( أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وقد جاءكم من ربكم الهدى ) [النجم: 19-22]. وكذا كل ما جاء في وصف هذه الآلهة كبيان أنها لا تستحق العبادة أو تسميتها بالطاغوت أو جعل عبادتها طاعة للشيطان وإنها وإياهم حصب جهنم.. وغير ذلك.

وكذلك القيام بهذا التوحيد عملياً بإظهار عداوتها وبغضها والبراءة منها والكفر بها، كقوله تعالى عن إبراهيم: ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 75-77]. وقوله: ( قال يا قوم إني بريء مما تعبدون.. ) [الأنعام: 78]، وما تضمنته سورة البراءة من الشرك من معانٍ وغير ذلك مما قدمناه.. فذلك كله لا يدخل في السب المجرد الذي نهت عنه الآية المذكورة، والذي من طبيعته أن يستثير الخصم ويهينه ويعيره فقط دون فائدة أو بيان، فيسب الله عز وجل عدواً وجهلاً وربما دون قصد، خاصة فيمن يعتقد بالربوبية ككفار قريش، وكذلك الحال بالنسبة لعبيد الياسق.. فإن ملة إبراهيم تقتضي أن يحذر من ياسقهم ويعادى ويبغض ويُدعى الناس إلى الكفر به والبراءة منه ومن أوليائه وعبيده المصرّين على تحكيمه، بذكر فضائحه وكشف زيوفه وبطلان أحكامه ومصادمتها الصريحة لدين الله بإباحتها للردة والربا وتسهيلها للفاحشة والفجور وتعطيلها لحدود الله كحد الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر واستبدال القوانين الفاجرة الكافرة بهذه الحدود العظيمة.. وما إلى ذلك وهو كثير جداً.. فهذا كله لا يدخل فيما نهت عنه الآية وإن سماه عبيد الياسق وسدنتهم سبا.. أو إطالة لسان بل الواجب كما عرفت مما تقدم أن يظهره الدعاة ويصدعوا به.. أما سبهم وسب حكوماتهم وحكامهم ودساتيرهم سباً مجرداً هكذا للإستثارة المجردة.. فهو المنهي عنه لما يترتب عليه من سب أولئك الجهال للساب ولدينه وطريقته وإن كانوا ينتسبون إلى الإسلام زوراً وبهتاناً.. ويشهدون بربوبية الله وربما يوحدونه ببعض أنواع ألوهيته دون الحكم والتشريع.. كما ذكر المفسرون: ( فيسبوا الله ) أي فيسبوا آمركم بسبّها فيعود ذلك على الله جهلاً وعدواً بغير علم، كما قد يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، وربما كانا أخوين لأب واحد، فالغيظ والغضب والاستثارة المجرّدة تعمي الخصم عن التفكير والتدبر وتستسبه؛ أي تحمله على السب.. قال محمد رشيد رضا في تفسيره: "الباعث على العمل هنا هو إرادة السب التي يُقصد بها إهانة المسبوب، فإن هذا الساب لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مخاطبه الذي سبه"اه. بخلاف تدخيل العقل، والدعوة إلى إعماله ومخاطبته ولفت انتباهه إلى زيف هذه الآلهة وكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تقرب ولا تشفع ولا تغني عن أنفسها وأتباعها شيئاً.. وتأمل قصة إبراهيم مع قومه وكيف يلفت فيها انتباههم إلى زيف تلك الآلهة المزعومة، ويستشيرهم لا لمجرد الاستثارة أو الإهانة بل ليفكروا ويتصادموا مع عقولهم في ذلك.. وتأمل كيف يفتضح أمرهم بذلك وينتكسوا ويتناقضوا ويتخبطوا.. فيقول لهم عند ذلك معنّفاً: ( أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) [الأنبياء: 67].

ولو تأملت قول عبد الله بن عمرو راوي الحديث السابق حين ذكر قول قريش للنبي صلى الله عليه وسلم "أنت الذي تقول كذا كذا" قال مفسراً لذلك: "لما بلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم". والعيب عند العرب سب أو كالسب وقد عده ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول في (بيان أقسام السب) ص528 وغيرها.. ولكنه في هذا الموضع ليس سباً مجرداً كما عرفت.. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قائماً بدعوة التوحيد التي أرسله الله بها وبملة إبراهيم التي أمره سبحانه باتباعها. وهذا كله سب عند أولئك المشركين، لأنّه إبطال لدينهم وتنقص لآلهتهم المزعومة بتجريدها من صفات الألوهية التي ينعتونها بها.. وهذا هو عيب آلهتهم الذي ذكروه.. وكذلك وصف آبائهم بالضلال ليس استثارة مجردة لذاتها، بل لزجرهم عن تقليدهم ونهيهم عن متابعتهم على ضلالهم.. نقل القاسمي في تفسيره عن الرازي قوله: "وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها" اه... ولكن ذلك أيضاً لا يرضي الكفار ولا يعجبهم وإن لم يكن سباً مجرداً، فهو نسف لآلهتهم وكفر بها.. لذا سموه سباً، كما سمّوا وصف آبائهم بالضلال، شتما حيث قالوا: "سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا...".

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الموضع الثاني من المواضع الستة التي ذكرها في السيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا: سفه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين ولكن لما ذكر انهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون جعلوا ذلك شتماً" أه.

والخلاصة :
أن ذلك كله لا يدخل في السب المجرد الذي نهى الله عنه في الآية، ولا هو مقصود بها، حتى ولو ترتب على مثله أن يسب الكافر الله أو الدين عدوا، فليس للمسلم أن يترك لأجله ما أوجب الله عليه من الصدع بالتوحيد وإظهار الدين فالسب هنا لا يكون إلا عدواً بعلم، لورود الحجة والبيان، وإلا لو حسبنا حساباً لمثل ذلك، لتركنا ديننا كله وتنازلنا عنه لسواد عيون الكفار.. لأنه كله قائم على أصل الإيمان بالله والكفر بكل طاغوت... فتنبّه.. وقس على ذلك ما يقال في هذه الطواغيت العصرية.. من دساتير ومناهج وقوانين وحكام وغيرهم.. ولا تقصر المعنى على الأصنام الحجرية، فتُحجّر واسعاً..

فهذه القاعدة إذاً إنما تكون صواباً في المباحات والمستحبات لا في الواجبات فلا يُترك واجب من واجبات الدين كبيان التوحيد وإبطال دين المشركين سداً لهذه الذريعة. كما قد يفهم البعض.. ولو توسعنا في ذلك لأضعنا جُلّ ديننا.. لذا قال أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن، ص 473: (المسألة الثانية): "هذا يدل على أن للمحق أن يكف عن حق يكون له إذا أدى ذلك إلى ضرر يكون في الدين، وهذا فيه نظر طويل، اختصاره أن الحق إن كان واجباً فيؤخذ بكل حال، وإن كان جائزاً ففيه يكون هذا القول والله أعلم" اه. ويقول محمد رشيد رضا: "(ومنها) ما نُقل عن أبي منصور قال: كيف نهانا الله تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه، وقد أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قاتلونا، وقتل المؤمن بغير حق منكر؟ وكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه... وأجاب عنه: بأن سب الآلهة مباح غير مفروض، وقتالهم فرض وكذا التبليغ، وما كان مباحاً ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان فرضاً لا ينهى عما يتولد عنه.." أه. وبمثل ذلك يُردّ على من احتج لإبطال ما ذكرناه من وجوب إظهار الدين، بما رواه البخاري في صحيحه، أن قوله تعالى: ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) [الإسراء: 110]. أنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة. فكان إذا رفع صوته سمع المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، وقال الله تعالى: ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) [الإسراء: 110]، لا تجهر بصلاتك حتى يسمع المشركون. ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تُسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلاً.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:44 am

فالدعوة إلى الله قائمة ودين المسلمين ظاهر ودعوتهم لنبذ الأوثان معلومة لكل أحد في مكة وبراءتهم منها بيّنة بادية، وإذا كان الأمر كذلك فترك الجهر بقراءة القرآن عند تلاوته، لدفع هذه المفسدة لا يطفىء نور الدعوة ولا يؤثر فيها تأثيراً سلبياً أبداً.. فالقرآن ينتشر في كل مكان رغم أنوف المشركين.. وملة إبراهيم معلنة لدرجة أن كل من يعلن إسلامه يسمى بالصابىء، أي الكافر بدينهم وبأوثانهم، والأمر في غاية الوضوح لا لبس فيه ولا إشكال.. أضف إلى ذلك أن رفع الصوت بالقراءة في الصلاة ليسمعه غير المصلين ليس واجباً من واجبات الصلاة، فجاز تركه سداً لهذه الذريعة، طبقاً لقاعدتها المذكورة الخاصة بترك المباحات والمستحبات دون الواجبات، فليس هذا تركاً لواجب بل يكفي في ذلك أن يسمع الإمام من يصلي خلفه وهو ما أمر الله تعالى به رسوله في قوله: ( ولا تخافت بها ) أي عن أصحابك.

وهناك شبهة أخرى قد يحتج بها البعض..
وهي إيواء أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم الذي امتن الله عز وجل به عليه فقال: ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) [الضحى: 6]، وكذا قصة جوار وأمان الكافر للمسلم وأمثلته كثيرة، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن جوار ابن الدغنة لأبي بكر في مكة.. وكذا النجاشي وإيوائه للمسلمين وهو على نصرانيته قبل إسلامه... وما شابهه... وخلاصة هذه الشبهة: " كيف يرضى المسلم في مثل هذه الأحوال بإيواء وحماية وجوار الكافر المخالف له في عقيدته ومنهجه؟؟ أفلا يتنافى هذا مع ملة إبراهيم في البراءة من المشركين...؟".

فنقول وبالله التوفيق: أن لا تعارض في هذه الأمثلة المذكورة مع ملة إبراهيم، ودعوة الأنبياء والمرسلين وذلك لأن الأمر كما قدمنا لك من قبل قسمان:

الأول: البراءة من آلهتهم الباطلة والكفر بطواغيتهم التي تعبد من دون الله عز وجل.

الثاني: عداوة المشركين المعاندين المصرّين على باطلهم.. وقدمنا أيضاً أن الأول مطلوب من المسلم منذ أول خطوة في الطريق دون توان أو تأخير، بل يجب أن يعلن ويظهر ويبدى من قبل طائفة من المسلمين كي يعرف الناس به أصل الدعوة، ويشتهر حتى يصبح بدهية يوصف بها كل من يدخل في هذا الدين..

أما الثاني، فلا يبدى أو يعلن، إلا بعد الإصرار على الباطل وعداوة الحق وأهله. فأبو طالب مثلاً.. على الرغم من بقائه على الكفر لم يكن مظهراً العداوة والبغضاء للحق وأهله، بل على العكس من ذلك فقد كان ردءاً مدافعاً عن صاحب الحق ورسوله صلى الله عليه وسلم كما وصفه العباس رضي الله عنه في حديث البخاري حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم : "ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك وينصرك ويغضب لك... الحديث" وإن كان ذلك في عصبية ولروابط نسبية وراجع في ذلك ما ذكره العلامة الشنقيطي في أضواء البيان المجلد الثالث (ص41، 43، 406، 407) في تأييد الدين بالرجل الفاجر وبالروابط العصبية والأواصر النسبية مع بطلان هذه الروابط وبطلان الود على أساسها وحدها... والشاهد من ذلك أن مثل هذا النصير أو المجير.. يبقى الأمل وارداً في هدايته واتباعه للحق إلى آخر لحظة ما دام لا يقف مع الصف المعادي المحارب له بل يقف مدافعاً عن بعض أتباعه... فكيف إذا أضيف إلى ذلك كونه من خاصة الداعية وقرابته الذين يتعلقون به... ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس من دعوة عمه الذي كان يقول:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك أبشر بذاك وقر منه عيونا


وقبل ذلك كله، هناك أمر آخر... وهي النقطة الأولى والمهمة في الموضوع.. أن النبي صلى الله عليه وسلم مع موقف عمه المدافع هذا، لم يكن ليداهنه على حساب دعوته ودينه، بل كان عمه يعرف بدعوته صلى الله عليه وسلم ويسمع بعداوته وبعيبه لآلهتهم الباطلة، وقد حاولت قريش معه للضغط على النبي صلى الله عليه وسلم ليكفّ عن دعوته وعن عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وعندما حاول أبو طالب السعي لمثل ذلك، ما داهنه صلوات الله وسلامه عليه ولا تنازل عن شيء من أمر دينه تطييباً لخاطر عمّه الذي كان يحميه وينصره ويؤويه، بل قال قولته المعروفة: "والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بُعثت به، من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار" كما في الطبراني وغيره. وهو صلى الله عليه وسلم كذلك أولاً وآخراً لم يكن ليربطه بعمه الكافر ود ولا حب كيف وهو صلى الله عليه وسلم قدوتنا ومثلنا الأعلى في قوله تعالى: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم... ) الآية، مع حرصه على هدايته... فذلك شيء والحب والود شيء آخر... وما كان النبي صلى الله عليه وسلم رغم إيواء عمه وحمايته له ودفاعه عنه ليصلي عليه يوم أن مات... بل نهاه الله عز وجل عن مجرد الاستغفار له يوم أنزل عليه: ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. ) [التوبة: 113] الآية، وما كان منه صلوات الله وسلامه عليه عندما جاءه علي رضي الله عنه فقال له: "إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟..." غير أن يقول له: "اذهب فواره" رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما.

ومثل ذلك أيضاً يُقال في رهط شعيب الذين كانوا مانعاً دونه والكفار، قال تعالى مخبراً عن أعداء نبيه: ( ولولا رهطك لرجمناك ) [هود: 91]. وقد كانوا كفاراً... وكذا نبي الله صالح عليه السلام ووليه الذي كان الكفار يحاذرونه ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليّه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) [النمل: 49].

أضف إلى ذلك أن هناك فرقاً واضحاً يجب أن يُلاحظ ويعتبر بين أن يُعين الكافر مسلماً أو يجيره وينصره ويحميه ويأويه بنفسه دون أن يلجأ المسلم إليه أو يذل نفسه له أو يتودّد، وإنما يفعل الكافر ذلك من تلقاء نفسه بدافع القبلية أو العصبية أو القرابة وغيرها... وبين أن يطلب المسلم ذلك منه ويكون في طلبه نوع ذل ومهانة ومداهنة أو إقرار وسكوت عن باطله أو رضىً بشركه.. لا شك أن الفرق بين الحالتين واضح بين لا يخفى على البصير، ولو تأملت هذه الأمثلة لرأيتها من الجنس الأول.. ولأبي جعفر الطحاوي كلاماً لطيفاً يشبه هذا في مشكل الآثار (239/3) فرّق فيه بين الاستعانة بالمشركين في القتال وكون ذلك مما نهى الله تعالى عنه في قوله: ( يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا.. ) [آل عمران: 118] الآية، وبين قتالهم بأنفسهم ضد أعداء المسلمين دون طلب واستعانة من المسلمين أنفسهم، فراجعه فإنه مفيد في هذا الباب.. وكذا جوار ابن الدغنة لأبي بكر... فكله من هذا القبيل..

ومن ذلك أيضاً صلة الوالدين المشركين ومصاحبتهما بالمعروف وتألّف قلبيهما، لأن أمل التأثر بابنهما واتباع الحق الذي يدعو إليه وارد باقٍ ما داما متعلقين بالولد.. حتى وإن جاهداه على أن يشرك بالله... ما لم يقفا في الصف المحارب المعادي الصاد عن سبيل الله... فإن فعلا ذلك تبرأ منهما علانية كما فعل إبراهيم مع أبيه لما تبين له أنه عدو لله.. بل ويعاديهما ويقاتلهما كما فعل أبو عبيدة وغيره من الصحابة في بدر.. فإبراهيم عليه السلام كما قدمنا كان يتألف قلب أبيه ويدعوه بالحسنى واللين ويظهر حرصه على هدايته وخوفه عليه من عذاب الله لأولياء الشيطان.. ولكنه تبرأ منه واعتزله عندما تبين له عداوته الصريحة لله... واستثنى سبحانه مما دعانا للتأسي فيه بإبراهيم والذين معه في سورة الممتحنة؛ استغفاره لأبيه، ونهى المؤمنين في سورة التوبة عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى ثم قال عن إبراهيم: ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم ).

ومنه قوله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) ثم استثنى سبحانه: ( إلا الذين ظلموا منهم.... ) [العنكبوت: 64].

وكذا أمان النجاشي للمهاجرين.. وارجع إلى قصة جعفر وموقفه رضي الله عنه في الصدع بدينه ومعتقده في عيسى عليه السلام الذي يخالف فيه دين من هو بين ظهرانيهم، رغم استضعافه ومن معه، ورغم دخولهم في أمانهم.. بل إن النجاشي بكى لما سمع كلام الله يُتلى، وأظهر التأييد والقبول وأعطاهم الأمان فأظهروا دينهم ومعتقدهم لكل أحد، فكان إسلام النجاشي ومن أسلم من أهل الحبشة بتوفيق الله تعالى ثم بسبب إظهارهم لدينهم رضي الله تعالى عنهم.. وراجع في رد هذه الشبهة وإبطالها رسالة (المورد العذب الزلال) للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله أجمعين في الدرر السنية جزء مختصرات الردود ص124 وكذا ص197 من الجزء نفسه فإنه مهم في رد هذه الشبهة وشبهة أخرى وهي احتجاجهم (بمؤمن آل فرعون) وكذا ص212.

وخلاصة القول في ذلك كله...
أن معاداة أهل الباطل وإظهار البراءة منهم ومن آلهتهم الزائفة وأديانهم الباطلة وقوانينهم العفنة.. أصل عظيم، وركن وثيق في دعوة الأنبياء والمرسلين.. وهو كما عرفت شرع محكم يرتكز على أصل دين الإسلام وقاعدته.. فلو اجتمع أهل الأرض جميعاً لأجل رده وإبطاله لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. والمخالفون فيه لا يستدلون كما رأيت إلا بأمثال هذه القضايا العينية الخاصة التي لا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار، بل هي نفسها مطروحة على التقييد والتخصيص.. وإذا تقرر أن هذه الطريق أصل عظيم محكم... فقد أمست هذه الأدلة الجزئية وغيرها مما يتوهمه المخالفون معارضاً... متشابهاً يجب رده إلى المحكم، لا أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا سنة المصطفى كذلك.. فتنبّه ولا تغتر بشبه الملبسين..

"وهكذا فلا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة.. ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على أعدائه.. ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ، لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة، فاختاروا الله وحده.. وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله... وإنه لينبغي لهم أن تمتلىء قلوبهم بالثقة حتى تفيض.. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أياً كان.. ولن يضرهم الطاغوت إلا أذى.. ابتلاء من الله لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه، ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف.. ثم تعود الكرّة للمؤمنين.. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين..." اه. من الظلال بتصرف.

ولتعلم أخيراً أن الناس مع هذا الحق أقسام:

رجل ثابت صادع بملة إبراهيم وبدين جميع المرسلين على النحو الذي تقدم لا يخاف في الله لومة لائم، فهذا من الطائفة الظاهرة المنصورة وهو الداعي إلى الحق الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، وهو الذي يفوز بكرامة الدارين، والذي يقول تعالى فيه: ( ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) [فصّلت: 33]، وهو المعنيّ بحديث: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير..."؟
وإنما حصل له الأذى لأنه جاء بمثل ما جاء به المرسلون.. لا يداهن أهل الباطل ولا يركن إليهم أو يرضى بباطلهم بل يتبرأ منهم ويظهر العداوة لهم ويهجر كل ما يعينهم على باطلهم من منصب ووظيفة أو عمل أو طريق، ومن كانت هذه حاله لا يأثم بإقامته في مجتمعاتهم وديارهم ولا تجب عليه الهجرة من أي بلد كان. يقول الشيخ حمد بن عتيق في الدرر السنية عند كلامه على قوله تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه… ) [الممتحنة: 4] الآية، ومعنى قوله: ( بدا ) أي ظهر وبان والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن يوحد ربّه، فمن حقق ذلك علماً وعملاً وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان، وأما من لم يكن كذلك بل ظن أنه إذا تُرك يصلي ويصوم ويحج سقطت عنه الهجرة، فهذا من الجهل بالدين وغفول عن زبدة رسالة المرسلين…" اه. ص199 من جزء الجهاد وهذا القسم من الناس إذا صدع بالحق وهُدّد بالقتل والتعذيب وليس ثَمّ بلد يهاجر إليها فله أسوة حسنة في أهل الكهف الذين شحّوا بدينهم وفرّوا به إلى الجبال.. وأسوة أخرى بأصحاب الأخدود الذين حرقوا في سبيل عقيدتهم وتوحيدهم وما وهنوا وما استكانوا.. وأسوة بأصحاب النبي الذين هاجروا وجاهدوا وقاتلوا وقتلوا وكفى بربك هادياً ونصيراً.

ولولاهم كادت تميد بأهلها ولكن رواسيها وأوتادها هم

ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن هم فيها بدورٌ وأنجم


أو رجل أقل منزلة من الأول لا يقدر على هذه الطريق المحفوفة بالمكاره، ويخاف على دينه ولا يطيق الصدع بذلك.. فهو يعتزل بغنيمات له يتبع بهن مواقع القطر وشعب الجبال يعبد الله ويفر بدينه من الفتن..

أو رجل مستضعف مغلق عليه بيته مقبل على خاصة أمره يسعى في نجاتهم ووقايتهم من الشرك وأهله ومن نار وقودها الناس والحجارة.. يتجنب الكفار ويعرض عنهم، ولا يظهر الرضى عن باطلهم ولا يؤيده بأي صورة من الصور.. ولا بد لهذا من أجل سلامة توحيده. أن يبقى قلبه مطمئناً بالعداوة والبغضاء للشرك والمشركين ينتظر زوال المانع.. ويتحين الفرص للفرار بدينه والهجرة إلى بلد أهون شراً.. يظهر بها دينه، كهجرة المهاجرين إلى الحبشة.

أو آخر مظهر للرضى عن أهل الباطل مداهن لإفكهم وضلالهم فهذا له ثلاث حالات ذكرها الشيخ ابن عتيق في سبيل النجاة والفكاك ص62 فقال:

"الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن فهذا كافر خارج من الإسلام. سواء أكان مكرهاً أم غير مكره، فهو ممن قال الله فيه: ( ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) [النحل: 106].

الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا ً كافر أيضاً، وهم المنافقون.

الحالة الثالثة أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين: أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له وتهديده بالقتل، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان كما جرى لعمّار قال تعالى: ( إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ) [النحل: 106]".

قلت: وينبغي لمثل هذا كما قدمنا أن يسعى دوماً مثل المستضعفين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للفرار بدينه ويدعو دوماً: ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً ) [النساء: 75].

ثم قال: "الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال فإنه في هذه الحالة يكون مرتداً ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن وهو ممن قال الله فيهم: ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وإن الله لا يهدي القوم الكافرين ) [النحل: 107]، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا آثروه على الدين.. قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى".

قلت: معنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشار إليه ابن عتيق موجود في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، من ذلك على سبيل المثال قوله ص42 في مجموعة الرسائل النجدية: "اعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك، أكثر من أن تحصى من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء. وأنا أذكر لك آية من كلام الله أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال الله تعالى: ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) [النحل: 106] الآية، وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم فهو كافر بعد إيمانه".

وهو مطابق لكلام الشيخ ابن عتيق السابق وكلام الشيخ سليمان الآتي بعده.. وهو كلام خطير، أعلم علم اليقين بأنه لو كان من كلامنا وليس من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام لقيل: خوارج وتكفير.. مع أن الآية نص واضح عليه.. وهذه القضية تختلف عن قضية الإكراه على كلمة الكفر التي يُعذر صاحبها، فنحن هاهنا مع أناس لم يُكرهوا ولم يُضربوا ولم يُعذبوا وإنما حملهم على إظهار الموافقة والولاء للمشركين، حب الدنيا والخوف عليها والطمع بالمال والمشحة بالمسكن (والأرض والقرض كما يقولون) فهو استحباب للحياة الدنيا على الآخرة واشتراء لمتاعها الزائل ببذل الدين والتوحيد والعقيدة.. ربما تستروا مع ذلك بالإكراه وادعوا الضرورات وليسوا في الحقيقة من أهلها، لذا قال تعالى في سورة آل عمران بعدما نهى عن موالاة أعدائه وأباح التقية للمكره الحقيقي، قال محذّراً: ( ويُحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير * قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله... ) [آل عمران: 28-29]، وقال في الآية التي تلتها مباشرة: ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويُحذركم الله نفسه.. ) [آل عمران: 30]، وهذا من أعظم الوعيد والتهديد لمن تدبّر كتاب الله وعقله.. ولكن من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.. ذلك أن كثيراً ممن لاخلاق لهم يتعذّرون بالإكراه وليسوا من أهله.. وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة الإكراه منها:


أن يكون المكره (بكسر الراء) قادراً على إيقاع ما يُهدد به، والمأمور المكرهَ عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار..


أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.


أن يكون ما هُدّد به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غداً، لا يعد مكرهاً.


أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.

كما فرّقوا فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذاباً لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك، وعمار رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية، ومعروف أنه لم يقل ما قال إلا بعدما رأى مقتل أمه وأبيه، وبعدما ذاق من العذاب ألواناً، فكسرت ضلوعه وأوذي في الله أذىً شديداً.. وأكثر هؤلاء المتعذّرين بالتقية ممن أوضعوا في الفتنة وغرقوا في الباطل والشرك لم ينلهم عشر معشار ما ناله.. ولكن كما قلنا سابقاً؛ من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً..

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:44 am

أضف إلى هذا أن أهل العلم يذكرون مع ذلك في أبواب الإكراه على كلمة الكفر؛ أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله تعالى أعظم وأفضل، وهذه مواقف الصحابة وتابعيهم والأئمة شاهدة بذلك فبأمثال هذه المواقف يكون إظهار الدين وإعزازه، وانظر صحيح البخاري باب (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) والشواهد في ذلك كثيرة وكذا مواقف الأئمة أكثر من أن تحصى كموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وغيرها كثير...

ويذكرون قوله تعالى: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) [العنكبوت: 10].

كما يذكرون أن التخيير ينافي الإكراه وذلك كحال شعيب عليه السلام مع قومه إذ خيّروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم، ولم يجوّزوا لذلك الاستجابة وإظهار الكفر في هذه الحالة. وإنما سردنا هذا كله ليعلم من وهبه الله نعمة العقل والتوحيد غربة هذا الدين في زماننا وغربة دعاته وأهله الذين يعرفونه حق المعرفة... وأن أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحباباً للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين..

وبهذا وأمثاله يزول ما قد يستغربه ويستهجنه كثير من الناس من قول الشيخ ابن عتيق هذا فيمن وافق المشركين في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك ما ذكر من الدنيا وليس الإكراه.. وقوله: "مع مخالفته لهم في الباطن" يقصد به والله أعلم: (بحسب زعمه) وإلا فكيف نعلم ونطلع على حقيقة باطنه في حاله تلك، إلا عن طريق الوحي كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة.. والله عز وجل لم يكلفنا بالبواطن بل نحكم بالظاهر.. فكما أننا نكف سيوفنا عمّن أبطن النفاق وأبدى موالاة الإسلام وأظهر شعائره، فكذلك نُعملها في هامِ من أظهر موالاة الكفار وشايعهم وانحاز لهم، وإن زعم أنه يبطن الإسلام.. فالله عز وجل تعبّدنا في أحكام الدنيا بالظواهر وهو وحده سبحانه الذي يتولى السرائر ويعلم الصادق من الكاذب، فيحاسب الناس على أعمالهم ويبعثهم على نياتهم كما في حديث أم المؤمنين المتفق عليه في الجيش الذي يُخسف به وفيه المستبصر والمجبور، فيهلكهم الله جميعاً في الدنيا ويبعثهم على نياتهم يوم القيامة... وهذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: "إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته. ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نُصدّقه وإن قال إن سريرته حسنة".

وهكذا كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم في تعاملاته مع الناس في الحروب وغيرها، فها هو العباس بن عبد المطلب وقد كان يدّعي الإسلام وينتسب إليه، انظر على سبيل المثال (88 و89 و91/6) من مجمع الزوائد، و(ص242-246/4) من مشكل الآثار وغيره.. ولكنه بقي في مكة وهي دار كفر آنذاك ولم يهاجر إلى دار الإسلام وخرج مع المشركين يوم بدر، فأسره المسلمون وعاملوه على ظاهره لا بما زعمه وادعاه من إبطان الإسلام، لأنه خرج في صفوف المشركين يكثر سوادهم، وروي أنه زعم أنه كان مكرهاً في الخروج معهم كما في بعض الآثار المشار إليها آنفاً، وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عندما رآه يتعذّر بالإكراه ويدعي الإسلام: "الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقاً فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك.." رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، إلا أن فيه راوٍ لم يُسم، وعلى كل حال يكفينا في هذا ما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره، من أن النبي صلى الله عليه وسلم عامله بظاهر أمره ولم يطلقه إلا بعدما فدى نفسه كبقية الأسرى المشركين.. ولعل من هذا الباب أيضاً ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل الذي كان من حلفاء ثقيف أسر ولم يطلقه النبي صلى الله عليه وسلم رغم ادعائه الإسلام، انظره في مختصر المنذري تحت رقم (1008)..

فعلم من هذا كله أننا مكلفون في معاملاتنا وأحكامنا في الدنيا بالظاهر دون الباطن، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وإلا لأمسى الإسلام وأهله ألعوبة وأضحوكة لكل جاسوس وخبيث وزنديق. ومن هذا الباب قصة حاطب وما كان من صنيعه عام الفتح.. فالأصل أن يُحكم على ظاهر من عمل مثل عمله بالكفر وأن يجري المسلمون عليه ما يستوجب ظاهره من الأحكام في الدنيا كالقتل والأسر، ومن طالع حال المرتدين وأقسامهم وبعض حججهم وتأويلاتهم، وحجج من خُدع منهم بشهود الرجال على نبوة مسيلمة وقصة ثمامة واليشكري وما إلى ذلك.. وكيف أن الصديق عاملهم جميعاً بالظاهر. فأعمل فيهم القتل والأسر.. وأن هذا كان من أعظم فضائله ومناقبه وحسناته؛ عرف صحة ما نقصده ونرمي إليه، ويراجع في ذلك كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فهو كثير في هذا الباب.. انظر على سبيل المثال المواضيع الستة التي ذكرها في مقدمة السيرة وغيرها كثير.. وهذا هو تماماً ما فهمه عمر رضي الله عنه في قصة حاطب وصرّح به في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر هذا الفهم، ولا قال له صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، بل أقر حكمه ولم ينكره فيمن ليس له مانع كمانع حاطب، وزكى لنا باطن حاطب بقوله: "وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر.." إلخ، وقد قال حاطب رضي الله عنه كما جاء في البخاري وغيره: "ما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضى بالكفر بعد الإسلام" فقال صلى الله عليه وسلم مزكياً له: "قد صدقكم".. والمبادرة إلى هذا القول منه رضي الله عنه من أظهر الأدلة على أن الصحابة قد كان مستقراً في نفوسهم أن الأصل في ظاهر هذا العمل أن يكون ردّة وكفراً.. وفي رواية أبي يعلى وأحمد قال: "أما إني لم أفعله غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقاً، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له نوره" وفي رواية أخرى لهما أيضاً: "أما والله يا رسول الله ما تغيّر الإيمان من قلبي.." انظر مجمع الزوائد (306/9) وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري: "قد صدقكم" فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم وزكّاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردة وكفراً بل كانت منه كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت في مقابل كونه بدرياً.. فهل في المهوّنين من شأن موالاة الكفار المتنطعين بقصة حاطب هل فيهم اليوم على وجه الأرض بدرياً اطلع الله على قلبه، ليجعلوا هذا الفعل كبيرة على الإطلاق ويتهاونوا فيه ويتساقطوا تساقطاً..؟؟

ولا نسأل هذا السؤال إلا بعد أن نعلم صدق سرائرهم وأنهم ما فعلوه ردةً ولا كفراً.. ودون ذلك خرط القتاد.. فمن أين لنا أن نعلم بعد انقطاع الوحي صدق سرائرهم وبواطنهم ومن يزكيهم ويشهد لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فهذا مانع من موانع الكفر الباطنة غير الظاهرة، ولا نكلف به بعد انقطاع الوحي، لأجل ذلك كان الأصل فيمن أظهر الركون إلى الكفار وموافقتهم وموالاتهم أن نحكم عليه بظاهره كما تقدم والله يتولى السرائر إن كان على غير ذلك، ويُبعث على نيته إن قتله المسلمون في صفوف الكفار، وإن أسر تجري عليه أحكام الكفار كما تقدم، والمسلمون معذورون في قتل من أظهر مثل هذا وإن ادعى وزعم أنه يبطن الإسلام وموالاة أهله، وانظر في هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف به، وقصة أسر العباس يوم بدر وادعائه الإسلام.. في مجموع الفتاوى (537/28) وكذا كلام تلميذه العلامة ابن القيم في الزاد (422/3) وغيرهما من العلماء المحققين.. وتأمل كذلك سبب نزول قوله تعالى: ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) [النساء: 97] ارجع إليه في صحيح البخاري وغيره فإنه مفيد في هذا الباب أيضاً.. انشط وتأمل ذلك كله وانفض غبار النوم عن عينيك ولا تكن مع الكسالى المقلدين..

وأخيراً :
فقد ذكر الحافظ في الفتح (521/7) عن بعض أهل المغازي قال وهو في (تفسير يحيى بن سلام) أن لفظ كتاب حاطب كان: "أما بعد يا معشر قريش، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام" وكذا حكاه السهيلي.

قلت: فلو تأمل العاقل كتاب حاطب هذا وما فيه من ثقته بنصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه من شأنه، ومع ذلك فقد أنزل الله تعالى بسبب فعلته هذه آيات عظيمات تقشعر منها جلود الذين آمنوا فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل ) [الممتحنة: 1]، فلو تأملت هذا هداك الله، وكيف شدّد الله تعالى فيه وجعله من موالاة ومودة أعدائه.. ثم نظرت في أحوال كثير من المنتسبين للدعوة والإسلام في هذا الزمان، وما يقع منهم من مباركة ومداهنة بل ومناصرة ومؤازرة عبيد القانون وأذناب الفرنجة وأعداء الشريعة والتوحيد، وما يظهروه من موالاة دساتيرهم وحكوماتهم والقسم على احترام قوانينهم؛ لعرفت غربة الدين الحقيقة، وغربة أهله العارفين له حق المعرفة وندرتهم فإياك والتفريط بالدين، إياك.. إياك.

قال الشيخ حمد بن عتيق: "وأمّا ما يعتقده كثير من الناس عذراً، فإنه من تزيين الشيطان وتسويله وذلك أن بعضهم إذا خوّفه أولياء الشيطان خوفاً لا حقيقة له ظنّ أنه يجوز له إظهار الموافقة للمشركين والانقياد لهم.. إلخ". ثم ذكر كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في صفة الإكراه على كلمة الكفر وأنه لا يكون إلا بالضرب والتعذيب والقتل لا بمجرد الكلام ولا بالتخويف بالحيلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله... ثم قال رحمه الله تعالى: "فإذا علمت ذلك وعرفت ما وقع من كثير من الناس تبين لك قول النبي صلى الله عليه وسلم : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ " وقد عاد غريباً، وأغرب منه من يعرفه على الحقيقة، وبالله التوفيق" اه من "سبيل النجاة" الموضع نفسه.

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد) في مقدمة رسالة (حكم موالاة أهل الإشراك): "اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين...".

ثم ذكر ما هو أشد من ذلك من مناصرة المشركين بالمال وموالاتهم وقطع موالاة المسلمين.. إلى أن قال: "ولا يُستثنى من ذلك إلا المكره وهو الذي يستولي عليه المشركون، فيقولون له: اكفر، أو افعل كذا، وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً، أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا؟!" اه. ثم أخذ بسرد أكثر من عشرين دليلاً على ذلك.. ولذلك اشتهر كتابه باسم (الدلائل)… فليتأمل ذلك كله المنتسبون إلى الدعوة ممن يظهرون موالاة عبيد الياسق وموافقتهم وينافحون عنهم وعن قوانينهم وحكوماتهم وجيوشهم.. وليتدبروه.. فإنه يهمهم جداً، خصوصاً، إذا علموا أنه كله مُنصبٌ على عساكر الدولة المصرية حينما دخلوا نجداً في عهد الشيخ حمد بن عتيق والشيخ سليمان رحمهما الله، حيث صنفا كتاب (سبيل النجاة والفكاك) وكتاب (الدلائل) في ذلك الوقت لتحذير الناس من موالاة أولئك العساكر الذين كانوا يتشبثون بكثير من البدع والخرافات وشركيات القبور، انظر ص309 وغيرها من جزء الجهاد من كتاب الدرر السنية.. ومن المعلوم عن علماء نجد المشاهير من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في ذلك الزمان أنهم كانوا يكفرون الدولة المصرية وعساكرها التابعين للدولة التركية كما هو مشهور في كثير من رسائلهم، بل يكفرون كل من والاهم أو دخل في طاعتهم ورضي عنهم واتخذهم وليجة من دون المؤمنين.. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح الآن: إذا كان هذا حكم أولئك الأئمة الأعلام في العساكر التابعين للدولة التي يتباكى عليها وعلى أيامها أكثر مسلمي هذا الزمان.. وإذا كانت هذه مصنفاتهم فيمن والاها وأحبها أو أحب ظهورها.. فماذا تراه يكون قولهم في عبيد الياسق العصري؟؟

وبماذا كانوا سيحكمون على من أظهر الولاء لهم ولجيوشهم وشرطتهم خوفاً من الحرمان من المساكن والقسائم أو الوظائف أو غير ذلك من قشور الدنيا ومتاعها؟؟ وبماذا كانوا سيحكمون على من أقسم على الإخلاص لهم أو على احترام قوانينهم.. لو أنهم أدركوا هذا الزمان؟؟؟

"فالحذر الحذر أيها العاقلون والتوبة التوبة أيها الغافلون فإن الفتنة حصلت في أصل الدين لا في فروعه، ولا في الدنيا، فيجب أن تكون العشيرة والأزواج والأموال والتجارة والمساكن وقاية للدين وفداءً عنه، ولا يُجعل الدين فداءً عنها ووقاية لها قال تعالى: ( قل إن كان آباؤكُم وأبناؤُكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) [التوبة: 24]، فتفطن لها وتأملها فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد أحب من تلك الثمانية كلها، فضلاً عن واحدة منها أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحقر، فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها..." اه. من الدرر ص127 جزء الجهاد.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) رواه البخاري وغيره، وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه، يثبت أصحابه ويذكرهم دوماً بأخبار أهل الثبات، حتى إذا ما ابتلي أحدهم في الله بلاء شديداً، لا يطيقه، ووقع فيما وقع فيه عمار رضي الله عنه، ذكر له عفو الله عن ذلك وترخيصه فيه... لا كأحوال كثير من دعاة زماننا، يدندنون على أحاديث الرخص والإكراه والضرورات طوال حياتهم، وكل أيامهم في غير مقامها، ويلجون بحجتها في كل باطل، ويكثرون سواد حكومات الكفر والإشراك، دونما إكراه أو اضطرار حقيقين... فمتى يظهرون الدين؟؟

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في الجمعة نوفمبر 02, 2007 7:45 am

الفصل الرابع : من أساليب الطغاة لتمييع ملة إبراهيم وقتلها في نفوس الدعاة
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]


وبعد..

فإذا كنت قد فهمت ملة إبراهيم فهماً جيداً.. وعلمت أنها منهج الرسل وأتباعهم.. وأنها طريق النصر والفوز والسعادة في الدارين.. فلتعلم بعد ذلك علم اليقين أن الطغاة في كل زمان لا يرضون عنها، بل يخافون هذه الملّة العظيمة ويخشونها.. ويحرصون كل الحرص على قتلها ونزعها من نفوس الدّعاة بشتى الحيل والأساليب..

كما أخبر تعالى بذلك عنهم منذ القديم فقال في سورة القلم وهي مكية: ( ودّوا لو تدهن فيدهنون ) [القلم: 9]. فهم يتمنّون أن يسلك الدّعاة غيره من السبل المعوجّة وينحرفوا عن دعوة الأنبياء الصلبة المستقيمة.. ولا يزالون يخطّطون لأجل حرف الدعاة عن هذا الصراط المستقيم.. إلى سبل فيها سكوت عن كثير من باطلهم، تُرضي خواطرهم.. أو تلتقي معهم في بعض أمورهم.. هكذا.. حتى تموت الدعوة وتتميع قضيتها وينحرف دعاتها عن خطها الواضح البيّن المستقيم فالطّغاة يعلمون أن أول التقهقر خطوة إلى الوراء.. ثم تعقب هذه الخطوة، خطوات وخطوات.. ينسى معها الدعاة منهج الدعوة الأصيل.. ويحصل يقيناً من هذا الانحراف.. التقاء مع أهل الباطل في كثير من باطلهم أو بعضه.. وذلك غاية ما يتمنونه ابتداء.. لذلك فإنهم إن يروا من هؤلاء الدعاة تنازلاً أو تقهقراً.. أظهروا لهم الرضى عنهم وعن دعواتهم، وقربوهم وأثنوا على جهودهم وأظهروا لهم الود والحب.. قال تعالى: ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلا ) [الإسراء: 73].

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية بعد أن ذكر محاولات المشركين لمساومة الرسول صلى الله عليه وسلم على كثير من أمور دينه ودعوته ومن ذلك: ترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم إلى غير ذلك.. يقول: "هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثير. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً. فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو بضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة.. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان لكسب أصحاب السلطان إلى صفها، هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم.. ومتى دبّت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصراً!" اهـ.

نعم.. وإننا لنرى كثيراً من دعاة اليوم قد اتخذهم الطغاة أخلاّء، فهم لا يضرونهم أو يعادونهم.. لأن أولئك الدعاة قد أظهروا الرضى عن كثير من باطلهم فالتقوا معهم في منتصف الطريق.. وجالسوهم في الندوات والحفلات والهلكات.

ومن أمثلة هذه الأساليب في واقعنا المعاصر..

ما أشرنا إليه مما يؤسسه كثير من الطواغيت من برلمانات ومجالس أمة وأشباهها.. ليجمعوا فيها خصومهم من الدعاة وغيرهم فيجالسونهم فيها ويقاعدونهم ويختلطون بهم حتى يميعوا القضية بينهم، فلا تعود المسألة مسألة براءة منهم أو كفر بقوانينهم ودساتيرهم أو انخلاع من باطلهم كله.. بل تعاون وتآزر ومناصحة وجلوس على طاولة الحوار لأجل صالح البلاد واقتصادها وأمنها و... و... و... لأجل الوطن الذي يتحكم به الطاغوت ويحكمه بأهوائه وكفرياته.. وهذه مزلة عايشنا أهلها ورأينا أكثرهم ممن ينتسبون إلى منهج السلف أو يتمسحون بكلام سيد قطب وأمثاله.. ومع ذلك أمسوا بعد سقوطهم في هذه المزلة يصفقون للطواغيت ويقومون لهم إجلالاً واحتراماً ويخاطبونهم بألقابهم بل وينادون بالولاء لحكوماتهم وجيوشهم وأمنهم.. ويقسمون على احترام دساتيرهم وقوانينهم.. وغير ذلك.. فماذا أبقوا لدعواتهم؟ نعوذ بالله من الضلال..

ومن ذلك أيضاً ما يلجأ إليه كثير من هؤلاء الطواغيت من تجنيد العلماء وشغل أوقاتهم لصالحهم في محاربة خصومهم ومن يخافونهم على أنظمتهم وحكوماتهم كالشيوعيين مثلاً أو الشيعة أو غيرهم ممن يهددونهم ويهددون حكمهم.. فيلجأ الطاغوت إلى بعض هؤلاء العلماء المتحمسين المبغضين لتلك الاتجاهات الضالة.. فيعينهم على أولئك الأعداء المشتركين ويخادع هؤلاء العلماء بإظهار حرصه على الدين وعلى أهله وتخوفه من أولئك على حرمات المسلمين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنون لمحاربة أولئك.. فيسقط هؤلاء المساكين بحبائله ويضيعون أعمارهم وأوقاتهم ودعواتهم في نصرة عدو على عدو.. بل يصل الحال بكثير منهم بأن يلغوا عداوتهم للطاغوت القريب ويصادقونه بل ربما أصبحوا في يوم من الأيام جنداً وأعواناً مخلصين له ولحكومته.. يكرسون حياتهم في خدمته وتثبيت عرشه وحكمه ودولته.. شعروا أو من حيث لا يشعرون.. وليتهم عقلوا قولة العبد الصالح: ( رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) [القصص: 17]، فقد نقل القرطبي في هذه الآية عن بعض الروايات "أن الإسرائيلي الذي استنصر موسى كان كافراً وإنما قيل له من شيعته لأنه كان إسرائيلياً ولم يُرد الموافقة في الدين.. فعلى هذا ندم لأنه أعان كافراً على كافر، فقال: "لا أكون بعدها ظهيراً للكافرين" وظهيراً: أي معيناً. وليتهم عقلوا قوله تعالى: ( يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة.. ) [التوبة: 123]. إذاً لما وقعوا فيما وقعوا فيه.. فإن أولئك الشيوعيين أو غيرهم وإن كانوا أعداء للإسلام وأهله.. وعداوتهم والبراءة منهم والكفر بباطلهم مطلوبة أيضاً.. إلا أن البدء بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب أمر مقرر ومعروف في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بل وتأبى العقول السليمة خلافه، ذلك لأن خطر الأقرب المباشر وتأثيره وفساده وفتنته أعظم وأشد من البعيد، أو القريب غير المباشر، ولذا كانت مجاهدة النفس والشيطان قبل مجاهدة الأعداء عموماً.. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبدأ أول ما بدأ بفارس والروم أو باليهود، ويتغافل عمن هو بين ظهرانيهم.

بل ربما استغل كثير من الطواغيت هذا المزلق الخطير.. وسخروا كثيراً من هؤلاء العلماء الجهلاء.. في الصد عن كثير من الدعاة والتنفير من جماعاتهم الإسلامية ممن هم خصوم لأولئك العلماء في الدعوة إلى الله أو في المذهب أو المنهج.. أو غير ذلك... بل ربما استخلصوا منهم الفتاوى لقمعهم والقضاء عليهم وعلى دعواتهم بحجة أنهم من الخوارج أو البغاة المارقين المفسدين في الأرض.. ( ألا إنهم هم المفسدون ) وهم يعلمون ويشعرون.. ولقد شاهدنا هذه المزلة كثيراً في أهل زماننا وإلى الله المشتكى.. وما درى أولئك العلماء المساكين أو إخوانهم الدعاة مهما بلغوا من الانحراف.. فإنه انحراف عن جهل أو تأويل.. بل حتى لو كان عن علم وإصرار، فلن يبلغ مبلغ انحراف الطواغيت ومحادتهم لله ولدينه..

ومن ذلك أيضاً إغراء المؤمنين والدعاة بالمناصب والمراكز والوظائف والألقاب.. ومنحهم الامتيازات والأموال والمساكن، والإغداق عليهم بالخيرات وغير ذلك. حتى يقيدوهم ويثقلوهم ويقفلوا أفواههم بها.. ويحققوا معهم قول قائلهم: (الثدي الذي يرضعك لا تعضه) وهكذا إلى أن يفتتن بهم هؤلاء الدعاة أو أولئك العلماء ويفتنون بحكوماتهم، حتى يصل بهم الحال إلى أن يرقعوا باطل أولئك الطغاة بفتاويهم المختلفة.. وبترديدهم لأفضالهم وتسبيحهم بحمدهم ليل نهار...

يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص121: "ومن تلبيس إبليس على الفقهاء، مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك". وقال ص122: "وفي الجملة، فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم، وقد كان سفيان الثوري رضي الله عنه يقول: "ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم" اهـ.

ولو تفكر العاقل في أولئك الذين كان يخاف سفيان أن يميل قلبه إليهم.. لوجد البون بينهم وبين طغاة زماننا واسعاً شاسعاً.. فالله المستعان.. ورحم الله من قال:

لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال

فغدا يفرق دينه أيد سبا ويزيله حرصاً لجمع المال

من لا يراقب ربه ويخاه تبت يداه وماله والِ


ومنه أيضاً إظهار بعض هؤلاء الطواغيت حرصهم على جوانب وفروع من الدين والدعوة إليها ليستقطبوا بذلك كثيراً من الدعاة والعلماء الذين يخافون من إخلاصهم، وحب الناس لهم، فيؤسسون لهم معاهد ودوراً وإذاعات ويشغلونهم بوزارات الأوقاف ومشاريعها وموسوعاتها وغير ذلك مما لا يمس طغيان هؤلاء الطواغيت وفسادهم..

ومن قبيل ذلك أيضاً روابط ومؤسسات الضرار التي يؤسسها هؤلاء الطواغيت.. كرابطة العالم الإسلامي التي انخدع بها كثير من علمائنا المساكين رغم خطها المكشوف الأسود المداهن لكثير من الحكومات الفاسدة عموماً، وللحكومة السعودية وطواغيتها خصوصاً.. حتى لقلما تخلو نشرة أو كتاب من مطبوعاتهم إلا ويطفح بالتملق والنفاق لتلك الدولة.. ناهيك عن علاقاتها وعلاقات مسؤوليها المشبوهة مع طواغيت الدول المختلفة الأخرى... وخلافها وانتقادها لبعض تلك الدول إنما يكون تبعاً لأهواء دولتها الأم.. فإذا كانت الأمور بين الطواغيت على ما يرام فهي كذلك عندها.. وإذا هاجم طاغوت كالقذافي مثلاً دولتها أو طواغيتها وسياستهم فإن الفتاوى والاستنكارات تتابع وتنهال.. ثم إذا رجعت الأمور إلى حالها الأول بين الطواغيت، هدأت وخرست تلك الفتاوى وما عدنا نسمع لها حساً.. مع أن الطاغوت هو هو.. ما تغير وما تبدل بل ربما أصبحت حاله أشد وأنكى مما مضى... ولو رأوه بأعينهم يطوف بالبيت بنجسه وطغيانه.. لما حركوا ساكناً.. فإلى الله المشتكى.. وعلى كل حال فهذه المؤسسة وأمثالها لن تعدو كونها مؤسسة حكومية ولقد اعتدنا ألا نثق بما يأتي من الحكومات.. ونعمت العادة.

ومنه أيضاً ما يمنحونه لكثير من الدعاة من أذون وتراخيص للدعوة والخطابة وما ينشئونه من (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي تعمل على استيعاب واحتواء الدعاة المتحمسين وصدهم عن منكرات الحكومة وسياساتها وباطلها وفساد طواغيتها الكبير.. بشغلهم ببعض منكرات العامة.. خلاصة تلك المنكرات التي قد تهدد أمن الدولة واستقرار حكم الطواغيت.. ولن يتعدوها إلى مستويات أعلى وأعظم ما داموا قد ربطوا أنفسهم بتلك الهيئات أو ذلك الإذن الذي يتحكم فيهم وفي دعواتهم.. ويشدهم شداً..

ومن ذلك أيضاً تدميرهم وتحطيمهم وقتلهم لهذه الملة في نفوس النشىء من ذراري المؤمنين.. عن طريق مدارسهم ومعاهدهم وأجهزة إعلامهم ومؤسساتهم الطاغوتية المختلفة.. فحيث أن هؤلاء الطواغيت أشد خبثاً وأعظم مكراً من فرعون.. فهم لا يلجأوون إلى أسلوبه في تقتيل الأبناء، إلا في آخر الأمر حين تعجز أساليبهم الخبيثة الأخرى، فيحاولون جاهدين قبل ذلك أن يقتلوا هذه الملة في نفوسهم، فبدلاً من أن يهلكوا الأجيال حسياً كما فعل فرعون، يقتلون فيهم هذه الملة فيهلكونهم أيّما إهلاك، وذلك بتربيتهم على حبهم والولاء لهم ولقوانينهم وحكوماتهم عبر مدارسهم الفاسدة هذه، ووسائل إعلامهم الأخرى التي يدخلها وينقلها كثير من جهال المسلمين إلى بيوتهم.. فبدلاً من أن يثير هؤلاء الطواغيت الناس باستعجال القتل الحقيقي... يتبعون هذه السياسة الخبيثة ليسبح الناس بحمدهم وبأفضالهم على أنهم ماسحوا الأمية وناشروا العلم والحضارة.. وفوق ذلك كله وتحت هذا الغطاء يربون من ذراري المسلمين أتباعاً أوفياء وخدماً مخلصين لحكوماتهم ولقوانينهم وأسرهم الحاكمة.. أو على أقل الأحوال يربون جيلاً مائعاً جاهلاً منحرفاً، راغباً عن هذه الدعوة الصلبة والملة القويمة.. مداهناً لأهل الباطل.. لا يقوى بل ولا يصلح لمواجهتهم أو يفكر فيها.. وقد فصّلنا هذا الأمر وكشفنا أسلوبهم الخبيث هذا في رسالتنا المسماة: (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس).

وكم يسقط ويهبط الداعية إذا زلّ بشيء من هذه المزلات، فما هذه الحال التي نعايشها اليوم من انعدام ثقة الناس بالقيادات الإسلامية وبالعلماء إلا واحدة من ثمرات هذه المزلة.. وكم يصغر في أعين الطغاة أنفسهم وتنتزع هيبته من قلوبهم، فلا يخافونه ولا يخشون دعوته.. ولا يحسبون له عند ذلك أي حساب.. أما إذا رأوا منه صلابة وثباتاً كثبات الجبال، وبراءة وإباء وترفعاً عن الالتقاء بهم في أي نقطة من نقاط طرائقهم المخالفة لمنهج الدعوة القويم فعند ذلك يحسبون له ألف حساب ويلقي الله الرعب المهابة في قلوب الطغاة.. كما كانت هيبة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الكفار.. وكما كان يُنصر بالرعب من مسيرة شهر.. فالحذر من هذه المنزلقات.. والحذر من السقوط في ألاعيب الطغاة..

أخيراً..

فقد بيّن الله عز وجل لنا هذه المخطّطات، وكشف لنا تلك الألاعيب، وحذّرنا منها.. وأعطانا الحل والعلاج.. وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال مباشرة قبل قوله: ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) [القلم: 9]، قال: ( فلا تطعْ المكذّبين ) [القلم: 8].
لا تطعهم.. ولا تركن إليهم، ولا تقبل أنصاف حلولهم.. فإن ربك قد أعطاك الدين الحق، ودلّك على الصراط المستقيم، وهداك إلى ملة إبراهيم..

ومثل ذلك تماماً، قوله تعالى في سورة الإنسان وهي مكية أيضاً: ( إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلاً فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ) [الإنسان: 24]، وفي ذكر القرآن وامتنان الله عز وجل على نبيه بتنزيله عليه، قبل النهي عن طاعة الكفار الآثمين، بيان لطريق الدعوة الصحيح.. فإن هذه الطريق لا يختارها الدعاة من عند أنفسهم، وليس لهم أن يرسموها أو يحددوا معالمها كما يهوون أو يتخيرون.. وإنما هي ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين المذكورة المفصلة في هذا القرآن.

ومثل ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الفرقان وهي مكية أيضاً: ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً ) [الفرقان: 52]، ( وجاهدهم به ) أي بالقرآن الكريم.. فلا تعدل لمنهج وأسلوب وطريق للدعوة سوى الطريق التي أمرت بها في القرآن.. وأنذرهم بهذا القرآن ولا تتبع غيره من الطرائق المعوجة الملتوية التي فيها طاعة للكفار، أو سكوت عن بعض باطلهم..

ومثله أيضاً قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أمره بتلاوة كتابه(1) بقليل: ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ) [الكهف: 28-29] والآيات مكية.

ومثله قوله تعالى في سورة الشورى وهي أيضاً مكية، بعدما ذكر ما شرعه لنا وللنبيين من قبل، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى..: ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.. ) [الشورى: 15]، وأمره سبحانه لنبيه بعد ذلك بقليل أن يقول للكافرين: ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) [الشورى: 15].. براءة واضحة منهم ومن أهوائهم ومناهجهم وطرائقهم المنحرفة..

ومثله أيضاً قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الجاثية وهي مكية أيضاً: ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) [الجاثية: 18-19].

وهكذا فلو تتبعنا آيات القرآن، لوجدنا عشرات بل مئات الآيات الدالة على هذه المعاني المهمة.. فالله عز وجل لم يخلق عباده عبثاً.. ولم يتركهم هملاً.. أفلا يكفي الدعاة وضوح هذا المنهج واستقامته..؟؟ أوَ لا يسعهم ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيين من قبله..؟؟ أما آن لهم أن يستيقظوا من الغفلات؟؟ ويقوّموا الإنحرافات.. أوَما كفاهم سقوطاً في ألاعيب الطغاة.. وكتماناً للحق.. وتلبيساً على الناس.. ومضْيعة للجهود والأعمار..؟؟ فإنه والله اختيار واحد..

"إما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون...

وليس هناك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة، والأهواء المتقلبة..

وإن هذه الآيات لتعيّن سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل.. إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل.. وعلى صاحب الدعوة أن يتّبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها.. وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء.. فأصحاب هذه الأهواء يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة.. فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له.. فهم إلب عليه، بعضهم ولي لبعض.. ولكنهم مع ذلك أضعف من أن يضروه.. ولن يضروه إلا أذى، فالله وليه وناصره، وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضاً من صاحب شريعة يتولاه الله..." (2)،( والله ولي المتقين ).

هذا هو الطريق.. فهل من رجال؟؟


أبو محمد
سنة خمس وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى



--------------------------------------------------------------------------------

(1) ومن معاني التلاوة: الاتباع، من تلا الشيء، أي تبعه..
ولا شك أن تلاوة كتاب الله عز وجل، بقراءته وتعلمه والتمسك به واتباع أوامره من أعظم أسباب الثبات على هذه الطريق كما تقدم، ويلتحق بذلك دوام ذكر الله عز وجل ومراقبته وقيام الليل.. كما قال تعالى بعد الآية المتقدمة من سورة الإنسان مباشرة: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً) [الإنسان: 25].

(2) من الظلال بتصرف.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى