كلمة نفيسة مختصرة من كلام العلامة ابن القيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default كلمة نفيسة مختصرة من كلام العلامة ابن القيم

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 7:49 am

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

من مقدمة كتابه الوابل الصيب

وقد جعلتها ضمن رسالة بعثتها من السجن مذكرا مثبتا بها بعض الأحباب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد ..

فأسأل الله العلي القدير أن يجعلك ممن إذا انعم عليه شكر .. وإذا ابتلي صبر .. وإذا أذنب استغفر..

فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد ، وعلامة فلاحه في دنياه وأخره ..

والعبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاثة :

(الأول ) :- نعم الله تعالى التي تترادف عليه

فقيدها { الشكر } . وهو مبني على ثلاثة أركان :-

- الاعتراف بها باطنا ..

- والتحدث بها ظاهرا ..

- وتصريفها في مرضاة وليها ومعطيها ..

(الثاني ) : محن من الله يبتليه بها ..

ففرضه فيها {الصبر } وهو في المحن مبني على ثلاثة أركان أيضا ..

- حبس النفس عن التسخط بالمقدور ..

- وحبس اللسان عن الشكوى

- وحبس الجوارح عن المعصية

التي تصدر عن كثير من الناس عند المحنة كاللطم وشق الثياب ونحوه فإذا قام العبد بهذه الأركان انقلبت المحنة في حقه منحة .. واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوبا ..

فإن الله لا يبتلي عبده ليهلكه .. وإنما يبتليه ليمتحن صبره وعبوديته ..

فإن لله على العبد عبوديتان .. عبودية في الضراء .. وعبودية في السراء ..

- فله سبحانه عبودية عليه فيما يكره ، كما أن له عليه عبودية فيما يحب ..

وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون ..

والشأن في إعطائه العبودية في المكاره ..

- فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ..

ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ..

ونفقته عليها عبودية ..

- هذا والوضوء بالماء البارد في شدة القر عبودية ..

وتركه المعصية التي أشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس ؛عبودية

ونفقته في الضراء عبودية ..

- ولكن الفرق عظيم بين العبوديتين .. وفي ذلك تفاوت العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى ..

- فمن كان عبدا لله في الحالتين قائما بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تبارك وتعالى (( أليس الله بكاف عبده )) وفي القراءة الأخرى (( عباده )) وهما سواء لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع .

- فالكفاية التامة مع العبودية التامة .. والناقصة مع الناقصة .. فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان ..

قال تعالى : (( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ))

· ويناسب هنا أن ألخص لك موضعا نفيسا لابن القيم أيضا لكن من كتابه " إغاثة اللهفان " متعلق بهذه المسألة قبل أن نغادر إلى غيرها ..

وذلك أن الله سبحانه قد ضمن نصر دينه وحزبه وأولياءه القائمين بدينه علما وعملا .. فقال سبحانه وتعالى : (( وإن جندنا لهم الغالبون ))

وقال تبارك وتعالى : (( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ))

وقال عز وجل (( والعاقبة للمتقين ))

لكن للعبد من ذلك حسب إيمانه وتقواه ..

قال تعالى : (( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ))

فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان

وقال تعالى (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ))

فله العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه ..

فإذا فاته حظ من العلو والعزة ففي مقابل ما فاته من حقائق الإيمان علما وعملا ظاهرا وباطنا ..

وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه قال تبارك وتعالى (( أن الله يدافع عن الذين آمنوا )) وكذلك الكفاية والحسب هي بقدر الإيمان قال تعالى : (( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين )) أي الله حسبك وحسب أتباعك .. أي كافيك وكافيهم فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقيادهم له وطاعتهم له فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله ..

ومذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص ..

وكذلك .. ولاية الله تعالى لعبده هي بحسب إيمانه ..

قال تعالى : (( والله ولي المؤمنين ))

وقال سبحانه (( الله ولي الذين آمنوا ))

فإذا نقص الإيمان وضعف ؛كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان ..

وكذلك .. النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل ..

قال تعالى Sad( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )) وقال تعالى : (( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ))

فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد .

ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله أو بإدالة عدوه عليه فإنما هي بذنوبه ؛ إما بترك واجب أو فعل محرم ..

وهو من نقص إيمانه ..

* وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى : (( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )) ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة ، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم سبيلا في الحجة ([1])

والتحقيق : أنها مثل هذه الآيات ؛ وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل ،فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله .

فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مكفي مدفوع عنه أين كان ولو اجتمع عليه من بأقطارها .. إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهرا وباطنا ..

قال الله تعالى : (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ))

وقال تبارك وتعالى : (( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم لن يتركم أعمالكم ))

فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله .. يحفظهم بها ، ولا يقتطعها عنهم ، فيبطلها عليهم .. كما بتر الكافرين والمنافقين أعمالهم إذا كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره .. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " أهـ . من إغاثة اللهفان .

ولما علم عدو الله ابليس أن الله تعالى لا يُسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال : (( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ))

فعباد الله المخلصين ليس لعدو عليهم سلطانا لأنهم في حرز الله وكلاءته وحفظه ، وتحت كنفه ..

وإن اغتال عدو الله أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل ؛ فهذا لا بد منه..

لأن العبد قد بلي .. بالغفلة .. والشهوة .. والغضب .. ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة .. ولو احترز العبد ما احترز ، فلا بد من غفلة ولا بد من شهوة ولا بد له من غضب ..

وقد كان آدم أبو البشر عليه السلام من أحلم الخلق وأرجحهم عقلا وأثبتهم .. ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيما أوقعه فيه ؛فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر ؟؟

ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة .. فإن أوقعه ظن أن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته .. لكن فضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله ؛ فإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له من أبواب التوبة والندم والانكسار والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ؛ما يجعل تلك السيئة سببا لرحمته ..

حتى يقول عدو الله : يا ليتني تركته ولم أوقعه .. وهذا هو الطبق

(الثالث ) من أطباق سعادة العبد المتقدمة..وهو أنه إذا أذنب تاب واستغفر.

وهو معنى فول بعض السلف : إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة .. ويعمل الحسنة يدخل بها النار . قالوا : كيف ؟

- قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه خائفا منه مشفقا وجلا باكيا نادما مستحيا من ربه تعالى ناكس الراس بين يديه منكسر القلب له؛ فيكون ذلك الذنب والحاله هذه أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة .

- ويفعل الحسنة فلا يزال يمن على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ، ويقول : فعلت وفعلت ، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه .

.. فإذا أراد الله بهذا المسكين خيرا ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده .. وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره ، وهذا هو الخذلان الموجب هلاكه ..

.. فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك .. والخذلان .. كل الخذلان .. أن يكلك الله تعالى إلى نفسك ..

فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والإنكسار ودوام اللجأ إلى الله تعالى والإفتقار إليه ،ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه واحسانه ورحمته وبره ..

فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحن .. لا يمكن السير إلا بهما .. فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه ..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " العارف يسير إلى الله .. بين مشاهدة المنة .. ومطالعة عيب النفس "

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في سيد الإستغفار :

" أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي "
فجمع مشاهدة المنة ، ومطالعة عيب النفس والعمل ..

- فمشاهدة المنة : توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان ..

- ومطالعة عيب النفس والعمل : توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت ، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسا .. فأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الافلاس … فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا سببا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها؛ بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف ،والإفلاس المحض دخول من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته .. وشهد ضرورته إلى ربه وكمال فقره إليه سبحانه .. وأنه ان تخلا عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر ..

فلا طريق أقرب إلى الله تعالى من العبودية .. ولا حجاب أغلظ من الدعوى " أنا .. وفعلت .. وكنت " .

والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها "حب كامل – وذل تام "

ومنشأ هذين الأصلين من ذينك الأصلين المتقدمين وهما ..

- مشاهدة المنة التي تورث المحبة ..

- ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث :- الذل التام

وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غرة وغيلة ، وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجيره .. ويتداركه برحمته ..

الـهـوامـش

([1]) ومن التوجيهات أيضا : أن لا يجوز دخول المسلم تحت ولاية الكافر ويجعل له عليه سبيلا وسلطانا بذلك .. فهو على هذا الوجه إنشاء وليس بإخبار .. على نحو قوله تعالى (( ومن دخله كان آمنا )) أي : أمنوه .. فكأنه سبحانه يقول : لا تجعلوا للكافرين عليكم سبيلا وسلطانا ولا تدخلوا تحت ولايتهم مختارين .. قاله أبو محمد عفا الله عنه ..

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى