رسالة مناصحة وتأييد للطالبان في كسرهم الطواغيت والأوثان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default رسالة مناصحة وتأييد للطالبان في كسرهم الطواغيت والأوثان

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 7:59 am

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين}.

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين القائل فيما رواه مسلم عن عمرو بن عبَسة لما سأله قائلا: يا رسول الله بأي شيء أرسلك الله؟ قال: (بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئا).

وفي مسند احمد وغيره عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني ربي عز وجل بمحق الأوثان).

وبعد:

فاعلموا أيها "الطالبان" نصر الله بكم الحق وجعلكم من القائمين بأمره الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك؛ أن الله سبحانه وتعالى بعث الأنبياء والمرسلين كافة لكسر الأصنام ومحق الأوثان وإبطال الشرك وهدم الطواغيت حتى يعبد الله وحده، فقال سبحانه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.

وإن من أعلى درجات اجتناب الطواغيت السعي في هدمها وإبطاها وجهاد أهلها، لإخراج العباد من عبادتها إلى عبادة الله وحده.

فهذه هي مهمة الرسل والغاية من بعثتهم، بل والغاية من خلق الثقلين أجمعين، كما قال تعالى: {وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، قال المفسرون: ({ليعبدون}؛ أي: ليوحدونني في العبادة وينبذوا عبادة من سواي).

وهي مهمة ورثتهم وأتباعهم من بعدهم، وهي أعظم وأهم مهمات وغايات الخلافة الراشدة والحكم الإسلامي الذي مدحه الله تعالى في كتابه: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.

ولقد سمعنا بشروعكم في هدم الأصنام في بلادكم فاستبشرنا بذلك خيرا وشكرنا لكم سعيكم في هذا المجال؛ راجين متمنين أن تسددوا وتقاربوا وتصلحوا على منواله في كافة المجالات.

ثم رأينا هجمة طواغيت الأرض بخيلهم ورجلهم عليكم وإنكار أذنابهم من علماء الضلالة والدعاة المنهزمين وإيضاعهم وتشنيعهم عليكم في سعيكم في هدم هذه الأوثان، وهم الذين ما تفوهوا ببنت شفة في سعي إخوانهم اليهود الدؤوب ليل نهار في تهديد بنيان المسجد الأقصى الآيل للتهدم، ولا نطق منهم ناطق مستنكرا هدم بيوت الله وتدنيسها في مشارق الأرض ومغاربها سواء من عباد البقر أو بوذا أوالسيخ والهندوس في الهند وغيرها أومن إخوانهم اليهود والنصارى في كل مكان... فهذا لا يعنيهم وليس هو عندهم من الحضارة الإنسانية التي يجب المحافظة عليها بخلاف تلك الأوثان والأصنام!

أضف إلى سكوتهم بل تواطؤهم وتآمرهم المكشوف على المجازر المروعة والذبح والقتل المعلن والمنظم والمكشوف لأبناء المسلمين وأطفالهم ونساءهم وشيوخهم في أكناف بيت المقدس وفي الشيشان والبوسنة من قبل والبلقان والفلبين وغيرها وغيرها.

وهاهم شعب العراق بأطفاله ونسائه وشيوخه يدك ليل نهار بالصواريخ والطيران بمباركة من الأمم المتحدة والملحدة ولم يزعجهم ذلك بحال ولا أزعج أذنابهم أو المصفقين لهم من أهل الجبب الواسعة والشهادات والألقاب العريضة التي أسبغها عليهم الطواغيت!

بل يحاول سحرة الحكام وكهنتهم ورهبانهم من علماء الفتنة أن يلبسوا إنكارهم هدم الأصنام لباس الشرع والحكمة والمصلحة والإسلام... فتبا لتلكم العمائم التي سخرت الدين للطواغيت والسلاطين وباعوه بثمن بخس دراهم معدودات.

فحذار أيها "الطالبان" من الإغترار بتلبيساتهم أو التضرر بشبهاتهم وتخذيلهم... وحذار من الخضوع أو الرضوخ لمطالب أعداء الله من المؤسسات والهيئات الكافرة على اختلاف توجهاتها...

فقبلها شنعوا عليكم وانكروا حجاب المسلمات وسعيكم في منع الفواحش والمنكرات والإختلاط... وغيره... ولن يقفوا في ذلك عند حد؛ ولن يرضوا عنكم حى تنسلخوا عن ملتكم وتتبعوا ملتهم... وهذه حقيقة يجب أن لاتغفلوا عنها طرفة عين؛ ما دمتم تنتسبون للأسلام وتسعون لجعله منهاجكم وشرعتكم في الحياة، فقد اخبر الله تعالى بهذا وأعلم به، فقال: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولإن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}.

ولتعلموا أنهم إذا كانوا لم يقرّوكم أو يرضوا عنكم في هذه الأبواب؛ فما سواه من أبواب الحكم والتشريع الإسلامي والجهاد وأحكامه العامة أولى أن لا يرتضوه، وهذا مدعاة لكم - إن كنتم تريدون ما عند الله واليوم الآخر - للإعراض عنهم واليأس مما في أيديهم، وعدم الطمع بقربهم أو السعي في خطب ودهم أو الحرص على اعترافهم بكم وبدولتكم...

واعلموا أن تفريطكم بشيء من الواجبات ولو كان هيّنا في نظر بعض الناس؛ لهو بداية التفريط في كافة أبواب الدين ومدعاة للإنسلاح عن الملة الحنيفية كلها.

وحذار من الإلتفات إلى شقشقاتهم التي تشير إلى استمرار تضرر أفغانستان من العقوبات أو نحوها بسبب أمثال هذه المواقف المشرفة؛ فقديما تخوّف بعض المؤمنين من مثل هذه الشبهات لما أمرهم الله تعالى بتطهير البيت الحرام من رجس أهل الأوثان، فقال: {يأ أيها الذين آمنوا إنما المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا...}، فظنوا أن هذا سيضر اقتصادهم ويعطل أسواقهم ويضعف تجاراتهم، فقال تعالى مبشرا بالفتوحات وأبواب الرزق العظيمة التي يفتحها الله للمؤمنين المستقيمين على منهاجه: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله...}.

وتذكروا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، فعليكم بنصرة دين الله في كافة الميادين والسعي في القضاء على مظاهر الشرك كلها في أرجاء أفغانستان، سواء كانت من جنس هذه الأصنام أو من جنس القباب والقبور والأضرحة والأشجار التي يشرك عندها بالله رب الأرض والسماوات، ولا تلتفتوا أو تتضرروا بمعارضة الكفار والمشركين، أو تشنيع المنهزمين من أذنابهم المنتسبين إلى العلم أو الدعوة.

ففي الصحيح عن أبي الهياج رضي الله عنه قال: قال لي علي رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته)، وفي رواية في مسند أحمد: (وأن أطمس كل صنم).

وقد فعله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة؛ فكان أول عمل بدأ به بعد الفتح ولم يؤجله - كما في صحيح البخاري ومسلم - لما فتح مكة وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعُنها بالقوس ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}، {جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد}، والأصنام تتساقط على وجهها.

يقول ابن القيم رحمه الله عن أمثال هذه الأصنام: (لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة، وهذا حكم المشَاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركا عندهم وبها، والله المستعان، ولم يكن أحد من أرباب الطواغيت يعتقد أنها تخلق و ترزق و تميت وتحيي، و إنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم المشركون اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) اهـ [زاد المعاد: 3 / 506].

فكونوا - رحمكم الله - من أصحاب هذه العصابة المحمدية، وحذار من التساهل في مظاهر الشرك وأماكنه أو إقرارها لوقت من الأوقات، واعتبروا وتدبروا في قصة ثقيف لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم صنمهم الطاغية اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا، فأبى أن يدعها وبعث صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما يهدمانها فهدماها أمام أعين ثقيف.

يقول ابن القيم رحمه الله في الفقه المستفاد من قصة وفد ثقيف: (ومنها؛ هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، وهذا حال المَشَاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام ويستعين بها على مصالح المسلمين... كما أخذ النبي أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد سواء من النذور لها والتبرك بها والتمسح بها وتقبيلها واستلامها هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض؛ بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه) أهـ [باختصار يسير من زاد المعاد: 3/602].

أما بيع الأصنام التي تعبد من دون الله نفسها؛ فلا يحل بل هو حرام في دين الله؛ وحذار من الإنسياق خلف دعوات بعض المفتونين في ذلك.

فقد جاء في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) اهـ

وأذكركم في هذا المقام بموقف عظيم سجله التاريخ لأحد أجدادكم، وهو القائد المظفر محمود سبكتكين [421 هـ] صاحب بلاد غزنة الذي تملك بعد أبيه، فسار في رعاياه سيرة عادلة وقام في نصرة الإسلام وفتح فتوحات كثيرة وعظم شأنه واتسعت مملكته فكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة القادر بالله، وكانت رسل العبيديين تفد عليه من مصر بالكتب والهدايا لأجل استمالته إلى جهتهم فكان يحرق كتبهم وهداياهم، وفتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة لم تتفق لغيره وكسر كثيراً من أوثانهم وأصنامهم.

ومن جملة ما كسر صنم يقال له "سومنات"، هو صنم الهند الأعظم الذي كانوا يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم، وينفقون عنده النفقات والأموال الكثيرة، التي لا توصف ولا تعد، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية ومدينة مشهورة... وقد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم، وكان يعوقه طول المفاوز وكثره الموانع والآفات.

فاستخار الله السلطان محمود لما بلغه خبر هذا الصنم وعُبَّاده، وكثرة الهنود في طريقه، والمفاوز المهلكة، والأرض الخطرة في تجشم ذلك في جيشه وأن يقطع تلك الأهوال إليه.

وقد كان الهنود كلما فتح السلطان محمود في الهند فتحاً وكسر صنماً من أصنامهم قالوا: (إن هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء)، فلما بلغ ذلك السلطان، زاد من عزمه على غزوه، فندب جيشه لذلك، فانتدب معه ثلاثون ألفاً من المقاتلة ممن اختارهم لذلك سوى المتطوعة، وسار من غزنة عاشر شعبان من سنة 418 هـ ظناً منه أن الهنود إذا فقدوه ورأوا كذب أدعائهم فيه دخلوا في الإسلام.

فلما انتهى هو وجيشه إلى بلد ذلك الوثن ونزلوا بساحة عباده فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة، ورأى الهنود من المسلمين، قتالاً لم يعهدوا مثله، وقاتل الهنود على باب الصنم أشد القتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى "سومنات" فيعتنقونه ويبكون ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا. فقتل منهم المسلمون خمسين ألفاً، وما كان أسرع من أن ملكوا الصنم فقلعوه وأوقدوا تحته النار.

وقد كان الهنود بذلوا للسلطان محمود أن يأخذ أموالاً ويبقى الصنم لهم، فقال: (حتى استخير الله عز وجل)، فلما أصبح قال: (إني فكرت في الأمر الذي ذكر، فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة؛ أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إليّ من أن يقال؛ الذي ترك الصنم، لأجل ما يناله من الدنيا)، ثم عزم فكسره رحمه الله، فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلي والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة، ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل. [البداية والنهاية، لابن كثير؛ 22/12، وانظر الكامل في التاريخ، لابن الأثير، في حوادث سنة 416هـ].

فإياكم والتفريط بهذا الأمر من أجل رضى أحد من أهل الأرض عنكم أو من أجل حطام من الدنيا فان... فإن ما عند الله خير وأبقى، فلا تتساهلوا فيه ولو بذلت لكم الدنيا كلها ثمنا... فإنه من أصل الدين وملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين.

وقد قال تعالى مخبرا عن إمام الحنفاء وقدوتهم خليل الرحمن: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين}، وقال عنه في موضع أخر: {فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين * فأقبلوا إليه يزفون* قال أتعبدون ما تنحتون؟... الآية}.

وإياكم أن تحجّروا مسمى الأصنام والأوثان على الأصنام الحجرية، وتفرّطوا في شأن الطواغيت والأوثان البشرية فتتابعوها أوتتابعوا هيئاتها أومؤسساتها وتتولوا مناهجها الكفرية وقوانينها.

بل الواجب البراءة من كافة أنواع الطواغيت والكفر بها جميعها... فهذه ملة إبراهيم التي بين الله تعالى أنه لا يرغب عنها إلا السفيه؛ فقال سبحانه: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}.

وقد أمر سبحانه نبينا عليه الصلاة والسلام وأمرنا معه باتباعها؛ فقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}، وقال عز وجل: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده...}، إلى قوله: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد}.

فتأملوا هذه الآيات البينات وتدبروها... فقد بين الله سبحانه وتعالى فيها المنهاج الصحيح والقدوة والإسوة الصالحة التي ارتضاها سبحانه للمؤمنين فينبغي أن يتأسى بها ويتابعها من كان يرجو الله واليوم الآخر.

وتأملوا قول إبراهيم والذين معه؛ وهم أتباعه ومن على طريقته من النبيين والصالحين والدعاة والمجاهدين، وتأملوا إعلانهم للبراءة وإبداءهم للعداوة والبغضاء وتصريحهم بالكفر بما يعبد من دون الله من الأصنام والأوثان والطواغيت، ومن عابديها أنفسهم ولو كانوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم.

وقفوا عند هذا الأمر الخطير وقفة مراجعة للحسابات وتقويم للمسيرة وإصلاح للمنهاج.

واعلموا أن المطلوب منكم - وفقكم الله وجعلنا وإياكم من أنصار دينه - ليس هو فقط تكسير الأصنام وتحطيم القباب التي تعبد من دون الله والأوثان، فهذا أمر بدهي من أوّليات الإسلام لا ينبغي أن يجهل أو يتردد فيه، ولكن الأهم منه والأخطر والأجل؛ هو ما قدمه الله تعالى بالذكر في هذه الآيات العظيمات من وجوب البراءة من المشركين أنفسهم؛ أعني عابدي الأصنام والأوثان، فقال: {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده}.

فتأملوا تقديم البراءة من المشركين على البراءة من شركياتهم، وكذا في قوله تعالى عن إبراهيم في موضع آخر: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}، فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله}، وقوله عن الفتية أهل الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله}.

فهذا وغيره يدلكم على ضرورة البراءة من أعداء الله على اختلاف مللهم وتوجهاتهم، ويعرفكم وفقكم الله لنصرة دينه.

أن هذا الأمر أهم وأخطر من تحطيم الأصنام والأوثان المعبودة من دون الله والتي تسعون لهدمها مخالفين بذلك الكفار من كافة الملل، فالواجب عليكم مع هذا أن تحرصوا أيضا على البراءة من المشركين بكافة توجهاتهم البدائية منها والمتمثلة بعبادة الأضرحة والقبور، بأن تأخذوا على أيديهم وتمنعوهم من الشرك وتأطروهم على التوحيد أطرا مادام السلطان بأيديكم... وكذا العصرية منها المتمثلة بعبادة البشر واتخاذهم أربابا من دون الله بقبول تشريعاتهم الكفرية؛ سواء على مستوى الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله؛ المنتسبة للإسلام منها أو غيرها وهي كافة دول العالم في هذا الزمان، أو على مستوى هيئة الأمم المتحدة التي تجمعها، فلا ينبغي أن تجمعكم بشيء من ذلك إلا علاقة الدعوة أو الجهاد بحسب السياسة الشرعية والمقام.

أما علاقات الأخوة التي تربط بين هذه الدول وطواغيتها، فضلا عن علاقة التبعية التي تتمثل بالتهالك على المطالبة بمقعد ضمن الأمم المتحدة وما يتفرع من ذلك من لوازم الإقرار بشرائع الكفر الدولية، والتحاكم إلى قوانينها ومحاكمها؛ فلا يليق هذا ولا يجوز بحال لطائفة أو جماعة أو دولة تنتسب للإسلام وتسعى لتحكيمه، (فإن الإسلام يعلو ولا يعلى)، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}، وقد قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}.

فيجب على كل من يدعي الإيمان وينتسب إلى هذه الملة العظيمة - من فرد أو جماعة أودولة - أن يحققوا البراءة من المشركين ويجتنبوهم بكافة توجهاتهم ومحاكمهم ومللهم، وأن يكفروا بهم أنفسهم وبمؤسساتهم وهيئاتهم كما قد كفروا بأوثانهم وأصنامهم وقوانينهم... وما لم يحققوا ذلك كله فإيمانهم مزعوم لا حقيقة له.

وإذا كانوا من أهل الجهاد وأنصار الدين وأصحاب الطائفة الظاهرة القائمة بأمر الله؛ فيجب عليهم إعلان هذه البراءة وإبداءها والتصريح بها كما قد أمر الله تعالى وبيّن في دعوته للمؤمنين بالتأسي بإبراهيم والذين معه.

أسأل الله تعالى أن ينصر دينه وأولياءه وأن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


أبو محمد المقدسي
عيد الأضحى، لسنة 1421 هـ

محمد-المقديسي
Admin

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى