هـذان خصمان اختصموا في ربهم ****من نحن؟ وما هي تهمتنا؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default هـذان خصمان اختصموا في ربهم ****من نحن؟ وما هي تهمتنا؟

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 9:06 am

من نحن؟ وما هي تهمتنا؟

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اعلم - وفقك الله - أنَّ أول وأهم وأعظم ما افترض الله على عباده تعلمه والعمل به هو التوحيد؛ الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. قال المفسرون: أي ليعبدونني وحدي، أو ليوحدونني بالعبادة، وهذا معنى كلمة التوحيد؛ "لا إله إلا الله".

وأن ذلك هو الغاية العظمى والهدف الأسمى والعروة الوثقى التي بعث الله من أجله كافة الرسل، وأنزل جميع كتبه، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمةٍ رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نُوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25]، وهو السبب الحقيقي في الخصومة بين الرسل وأقوامهم، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أنِ اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل: 45]، فقوله تعالى: {اعبدوا الله}؛ أي وحدوا الله بالعبادة، لأن أقوامهم كما هو حال كثير من المشركين كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة أخرى.

فدعوة الرسل لم تكن فقط لمجرد عبادة الله، فإن أكثر أقوامهم كانوا يعبدون الله، وإنما كانت لعبادة الله وحده {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، ومن أجله كان النزاع، وعليه عُذب أتباع الرسل، وأُوذوا وسُجنوا، وبسببه يفترق النّاس إلى فريقين، فريق في الجنّة، وفريق في السعير.

إذ هو العروة الوثقى التي ضمن الله تعالى لمن اعتصم بها أن لا تنفصم، وجعل سبحانه عليها مدار النجاة، فقال سبحانه: {قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [البقرة: 256]، فقوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله}؛ هو التوحيد الذي تضمنته "لا إله إلا الله". ولأجل ذلك كان لِزاماً على كلّ من أراد الفوز بالجنّة والنجاة من النّار أن يتعلم معنى هذه الكلمة العظيمة والعروة الوثقى ليعمل بها ويدعو إليها على بصيرة.

قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 16]، وقال سبحانه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108]، فإذا تعلمها عَلِمَ لأي غاية وهدف خُلق؟ ولأي شيءٍ بُعث الرسل، وأُنزلت الكتب؟ وما سبب نزاعهم ونزاع أتباعهم مع أقوامهم؟

ومنه تتبيّن لك حقيقة الخصومة بيننا وبين هذه الحكومات المبدّلة لشرع الله تعالى، وسبب نزاعنا مع جندها ولماذا نُبغض ونُكفّر ونُعادي أولياءها وأنصارها، ولماذا يُحاربوننا ويُعذبوننا ويسجنوننا نحن وكلّ نصير أو جندي من جُند التوحيد.

فاعلم أن "لا إله إلا الله"؛ نفي وإثبات، ولا بد للإعتصام بهذه العروة الوثقى من الجمع بين ركني النفي والإثبات فيها. فينفي ما حوته من النفي ويُثبت ما أثبتته، فيأتي بحقوقها ولوازمها ويجتنب نواقضها، ولا يكفي النفي وحده دون الإثبات، ولا الإثبات وحده دون النفي، بل لا بد من الجمع بين كلا الأمرين، وليس الأمر كما يظن كثير من النّاس هو مجرد التلفظ بها دون معرفة معناها وإلتزام حقوقها، إذ هي كلمة عظيمة ترجح بالسموات السبع والأرضين إن وُزنت بها، وهي مفتاح الجنّة، ولكن كما جاء في الأثر: (لكلّ مفتاح أسنان، فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له، ومن جاء بمفتاح ليس له أسنان لم يفتح له).

فـ "لا إله"؛ هو شق النفي في هذه الكلمة العظيمة، وقد فسَّره الله تعالى في تعريف العروة الوثقى بقوله {فمن يكفر بالطاغوت}، وإنما قدَّمه على الإثبات لأهميته وخطورته، فلا يصح الإثبات بدون هذا النفي، أي لا يصح ولا يقبل ولا ينفع الإيمان بالله دون الكفر بالطاغوت واجتنابه، وقد بيّنه تعالى في دعوة الرسل كافة بقوله: {اجتنبوا الطاغوت}.

و "إلا الله"؛ هو شق الإثبات فيها، وهو يتضمن عبادة الله وحده، وقد بيّنه الله تعالى بقوله في دعوة الرسل {اعبدوا الله}، وفي تعريف العروة الوثقى {ويُؤمن بالله}.

فـ "لا إله إلا الله" هي كلمة التوحيد ودعوة الرسل {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، وهي العروة الوثقى {فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}.

و "الطاغوت": هو كلّ ما عُبد من دون الله تعالى، بأي نوع من أنواع العبادة وهو راضٍ بعبادته. وتتنوع العبادة وتختلف صور الطواغيت في كلّ زمانٍ ومكان. فتارة يكون الطاغوت صنماً أو وثناً يصلي له النّاس ويسجدون ويذبحون له، وينذرون، ويدعونه في الملمات ويستغيثون به. وتارة يكون الطاغوت شرعاً غير شرع الله تعالى، يتحاكم النّاس إليه، أو مُشرِّعاً حاكماً أو نائباً أو كاهناً يُشرِّع للنّاس من الدين والأمر والنهي ما لم يأذن به الله تعالى.

ويبقى مطلوب الرسل جميعاً في كلّ زمانٍ ومكان واحداً لا يتغير {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، أي اجتنبوا عبادة الطاغوت بجميع أنواعها.

فقد تكون عبادة الطاغوت والإشراك به مع الله تعالى بالسجود له والصلاة والدعاء ونحوه، وقد تكون كما هو غالب شرك العصر بتنصيبه وقبوله مُشرِّعاً، ومتابعة تشريعه، كما نصت على ذلك دساتير الدول المختلفة في هذا الزمان، ومنها الدستور الأردني كما في المادة "الخامسة والعشرين" التي تنص على أن:

أ) السلطة التشريعية تُناط بالملك وأعضاء مجلس الأمة.

ب) تُمارس السلطة التشريعية صلاحياتها ومهامها وِفقاً لمواد الدستور.

فكلّ من قَبِلَ بهذا الدين المحدث والكفر البواح فقد اتخذ هؤلاء المشرِّعين أرباباً من دون الله تعالى أشركهم مع الله عزّ وجل، وعبدهم من دون الله.

وليس الشرك فقط عبادة غير الله تعالى بالسجود أو الركوع والذبح كما يظن كثير من النّاس، بل الشرك أوسع من ذلك وأعم، فهو عبادة غير الله تعالى بأي نوع من أنواع العبادة، ومن ذلك الطاعة لغير الله تعالى في التشريع والتحليل والتحريم والأدلة على ذلك كثيرة>

وإليك بعضها:

1) جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي: (أن عدي بن حاتم الطائي كان نصرانياً ثم أسلم، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله... الآية} [التوبة: 31]، فقال: يا رسول الله ما عبدوهم! قال: ألم يكونوا يُحلوا لهم الحرام ويُحرمون عليهم الحلال [1] فيتبعونهم؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم إياهم) [2].

وفي هذا الحديث عدة فوائد:

1) أنّ طاعة هؤلاء لأحبارهم ورهبانهم في التشريع كانت عبادة لغير الله تعالى، وشركاً به، ولذلك بوبَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" لهذه الآية والحديث بقوله: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلّ الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).

2) أن الجهل في هذا الأمر الخطير لا يعذر صاحبه، لأنه أمر متعلق بأصل الدين، وهو توحيد الله بالعبادة أو توحيد الألوهية، الذي جاء الرسل جميعهم من أجل دعوة النّاس إليه وتحذيرهم من ضده، ألم تر أن جهل عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه وغيره من النصارى بأن الطاعة في التشريع شرك وعبادة لغير الله، لم يمنع من تكفيرهم وكونهم مشركين، وكيف يُعذرون وهذا الأمر مزروع في فطرة النّاس، وهو أن الذي يخلق ويرزق ويطعم ويسقي هو وحده الذي يجب أن يُفرد بالعبادة بجميع أنواعها؟! فكما أنه لا يُشاركه أحد في الخلق والرزق فكذلك لا يجوز أن يُشاركه أحد في التشريع والحكم والأمر {ألاَّ له الخلق والأمر} [الأعراف: 54].

وجميع كتب الله عزّ وجل وكافة رسله أُرسلوا من أجله {ولقد بعثنا في كلّ أمة رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36].

ولكن أكثر النّاس استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فهم لا يهتدون، ولذلك تجد الواحد منهم عندما نحذره من هذا الشرك وأهله، يجادل بالباطل ويُماري بحجج جوفاء: "كيف تُكفِّرون من يقول لا إله إلا الله ويصلي ويصوم؟!"، ولا يعلمون أن من نزلت فيهم هذه الآيات كان لهم صلاة وصيام وعبادة، ولكنهم لما أناطوا السلطة التشريعية بعلمائهم وحُكامهم وتابعوهم على تشريعاتهم وقوانينهم لم تنفعهم صلاتهم ولا صيامهم.

وكما قال بعض قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ أنَّ أتباع مُسيلمة الكذاب الذين كانوا يشهدون أن "لا إله إلا الله"، لكن رفعوا رجلاً وهو مُسيلمة الكذاب وأشركوه في مقام النبوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكُفروا بذلك مع أنهم كانوا يُصلون ويصومون ويُؤذنون، وكان مؤذنهم يقول؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ومُسيلمة رسولا الله... إلى آخر الآذان، فإذا كان من أشرك رجلاً مع رسول الله في النبوة كفر وخرج من ملّة الإسلام - وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله ويُصلي ويصوم - فكيف بمن رفع رجلاً عالماً كان أو حاكماً أو نائباً إلى مقام الألوهية بأن أشركه مع الله تعالى في التشريع أو غيره من أنواع العبادة؟!

قال تعالى منكراً على المشركين: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]، وقال تعالى: {ءأربابٌ متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39].

2) ومن الأدلة الصريحة على ذلك، ما رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في سبب نزول قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121]: أن ناساً من المشركين كانوا يُجادلون المسلمين في أنهم لا يأكلون الميتة، فقالوا: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ قال المسلمون: قتلها الله. فقال المشركون: ما قتل الله أو ما ذبح الله بسكين من ذهب حرام - يعنون الميتة - وما ذبحتم أنتم بسكين من حديد حلال؟! فأنزل الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أولياءهم ليُجادلكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121].

فهذا حكم صريح واضح من جبار السموات والأرض على أن مُتبع التشريعات الوضعية ولو في قضية واحدة أو مسألة واحدة أنه مشرك بالله تعالى قد اتخذ غير الله رباً - وإن لم يسجد له ويصلي أو يركع – وأن الطاعة في التشريع عبادة يجب توحيدها لله عز وجل، ومن صرفها لغير الله تعالى فقد أشرك بالله واتخذ ذلك "الغير" طاغوتاً يعبده من دون الله تعالى.

3) ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما ذكره الله تعالى عن طائفة ممن كانوا ينتسبون إلى الإيمان والإسلام ويشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون، لكنهم أطاعوا الكفار في بعض دينهم وتشريعهم الباطل فكفروا بذلك بعد إسلامهم، ولم تنفعهم صلاتهم ولا زكاتهم ولا صومهم ولا تلفظهم بـ "لا إله إلا الله"، فكيف بمن أطاع المشركين في كلّ الأمر والنهي والتشريع وليس في بعضه؟!

قال تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 25-28]، فهؤلاء قالوا للذين كرهوا حكم الله وشرع الله ودين الله؛ سنُطيعكم في بعض شرعكم أو حكمكم الباطل، فكفروا وارتدوا بعد إيمانهم، فكيف بمن قال لعبيد القانون الوضعي والتشريع الأرضي: سنُطيعكم في كلّ الأمر؟! ولم يكتفوا بذلك، بل أمسوا لهم ولتشريعهم حراساً مخلصين وجنداً محضرين، لاشك أنهم أولى بهذا الحكم وأجدر بذلك المصير.

هذا واعلم؛ أنّ الأدلة في هذا الباب كثيرة جداً لا تحيط بها هذه الأوراق، وفي هذا كفاية لمن أراد الهداية.

إذا عرفت ما تقدم، وظهر لك أن من الكفر البواح والشرك الواضح المستبين اتخاذ غير الله مُشرعاً، سواءً كان هذا المشرع عالماً أو حاكماً أو نائباً... وعلمت أنّ الله تعالى قد قال في كتابه عن الشرك: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} [النساء: 116].

إذا عرفت ذلك؛ عرفت حقيقة الخصومة التي بيننا وبين هذه الحكومات، وأصل النزاع بين أهل التوحيد وبين أنصارها وجندها وأولياءها، فهو ليس على كراسٍ أو مناصب أو أرضٍ أو مال - كما يتوهم كثير من النّاس - فأنت ترى أتباع هذا التوحيد أبعد النّاس عن مناصب الحكومات، بل أول ما يدعونك إليه إن كانوا مخلصين - إن كنت من أهل هذه المناصب الموالية للطاغوت - هو ترك تلك المناصب واجتنابها للنجاة من الشرك وأهله.

محمد-المقديسي
Admin

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: هـذان خصمان اختصموا في ربهم ****من نحن؟ وما هي تهمتنا؟

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 9:06 am

فقول الله تعالى {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} هو منهاج حياتهم، وليس الصراع كذلك على إنكار فروع أو إصلاح جزئيات... كتغيير واقع خمارة أو سينما أو مرقص أو نحوه... ومن ظن أن هذه هي حقيقة الصراع وأصله بيننا وبينهم، فإنه لم يفهم حقيقة دعوة الرسل، ولا عرف سبب الخصومة بينهم وبين أقوامهم، والمنشغل بذلك كمن ينشغل بعلاج جروح سطحية في جسدٍ يعج فيه سرطان خبيث قاتل.

إن الخصومة - يا قومنا - أخطر وأعظم من ذلك بكثير، إنها في توحيدٍ وشرك، وفي كفر وإيمان، إنها خلود في الجنّة أو في السعير.

إنّ هذه الحكومات ومن تابعها ووالاها وناصرها على شركها قد جعلوا من أنفسهم أنداداً لله تعالى، أبوا إلا أن يُشاركوه في صفةٍ هي من أخصّ صفاته، ألا وهي التشريع، فجعلوا السلطة التشريعية - كما نصت دساتيرهم - لهم ولمن تابعهم على دينهم "الديمقراطية"، الذي معناه؛ تشريع الشعب للشعب، لا تشريع الله للشعب؛ فالشعب بنوابه وبأمر حاكمه هم أصحاب السلطة التشريعية في هذه البلاد... {ءأرباب مُتفرقون خير أم الله الواحد القهار}؟!

هذه هي الديمقراطية التي اختارها هذا النظام وأنصاره ديناً ومنهاجاً، المشرع فيها أرباب متفرقون، شرعوا للنّاس من الدين ما لم يأذن به الله.

أما في دين الله؛ فلا يجوز في حالٍ من الأحوال أن يكون المشرع غير الله، كائناً من كان... حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يحل له التشريع، إن هو إلا نذير ومبلغ عن المشرع الواحد الأحد.

فنحن ندعوا الناس إلى توحيد الله عز وجل في جميع أنواع العبادة، ومن ذلك التشريع، وهم يدعونهم إلى هذا الشرك الصراح والكفر البواح، ويُزينونه لهم... هذه هي حقيقة الخصومة بيننا وبين هذه الحكومات، ومن أجل ذلك نحن نبغضهم ونعاديهم، ومن أجل ذلك هم يعادوننا ويسجنوننا، ومن أجله طاردونا واعتقلونا وعذبونا... {ولا يزالون يُقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون} [البقرة: 217].

وإذا عرفت عظم هذه الجريمة التي نُنكرها على هذه الحكومات وأنها عين الجريمة التي أنكرتها الرسل قاطبةً على أقوامهم، فهمت لماذا نحن نبغضها ونتبرأ منها ونعادي أنصارها، فلا نحبهم ولا نودهم، ولا حتى نُسلم عليهم أو نُصافحهم، فإن اليد التي تشهد لله خالقها ورازقها بالتوحيد لتأبى أن تُصافح يداً تشرك معه غيره في أخص صفاته، أو يداً تشد القيد في زند أنصار التوحيد وتقبض على الزناد نصرة لأعداء الله من أهل الشرك والتنديد.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أدلكم على شيءٍ إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، أي بين أهل التوحيد، لا مع أهل الشرك والتنديد، إذ هؤلاء لا تجوز مودتهم أو محبتهم، قال تعالى: {لا تجد قوماً يُؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22].

إن من يعرف عِظم جريمة الشرك التي يُمارسها هؤلاء المشرعون وأنصارهم سوف يُوقِن بأن من الخيانة أن يداهنهم أو يقرهم على باطلهم فيبش في وجوههم أو يُظهر لهم المودة والمحبة، إذ كيف يفعل ذلك مع من يحارب ويعادي شرع خالقه ومولاه.

أتحب أعداء الإله وتدعي حباً له ما ذاك في إمكانٍ


إن من أوثق عرى الإيمان؛ أن تحب في الله وتبغض في الله، فتحب من يحب التوحيد وشرع الله وينصره، وتبغض من يحب الشرك وشرع الباطل وينصره، أضف إلى ذلك ما في إظهار الرضى عن هؤلاء ومصافحتهم من التلبيس على النّاس، وقد قال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42].

فأنت أيها الضابط أو الجندي، يا من تُجاهر بنصرة هؤلاء المشركين وتحمي تشريعهم وقانونهم المحدث الوضعي؛ عندما يعرض عنك وعن مصافحتك والسلام عليك بعض أهل التوحيد يجب - إن كنت عاقلاً - أن تقدّر لهم ذلك، وتعرف أنهم بذلك مخلصون في النصح لك، حريصون على إنقاذك من نار وقودها النّاس والحجارة، ولا شك أن من يقف هذا الموقف الصريح معك، خير ممن يضعف فيأخذ بالرخصة والتقية ويُصافحك ويسلم عليك، أو يبشّ في وجهك خوفاً أو مداهنة أو دفعاً لشرّك، فإن هذا الأخير يدفع شرّك عن نفسه ويُبقيك مُنغمساً في شرٍ عظيم، وإنك مبين قد تدفع ثمنه باهظاً يوم القيامة بخسران النفس وذلك هو الخسران المبين.

إننا عندما نعرفك بحقيقة الشرك الذي أنت واقع فيه، نأخذ بحجزتك لمنعك من السقوط في هاوية عظيمة قرارها جهنم وبئس المصير، وأنت تأبى إلا مُدافعتنا ومُعاداتنا ومُقابلتنا بالأذى على ذلك... ومن خافك أو جاملك وأقرك على باطلك وهو يراك ضالعاً في الهلاك فأنت ترضى عنه.

إننا عليك - يا نصير الشرك ويا عبد الدستور والقانون - والله لمشفقون، وعلى هدايتك وخلاصك من هذا الشرك لحريصون، لما نناله بذلك من الأجر ورضوان الله،ومن فوزٍ وفلاح في الدارين.. خصوصاً عندما نتذكر أننا وكثير من إخواننا قد كانوا قبلُ مثلك ضالين فهداهم الله، وأخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، فنحن كذلك نحب أن تنال ما نِلناه من الخير، ولذلك نحن معك في غاية الصراحة، نُطلعك على مرضك بكلّ وضوح، ونضع يدك وندلك على أصل الداء ببيان حكمك وتعريفك بحالك ومآلك عند الله إن مُت على هذا، فلا ترفض الحق والتوحيد، فإنه دواء شِركك وأمراضك، فاقبله ولو وجدت فيه بعض المرارة، فقليل من المرارة عاقبتها أحلى من العسل خيرٌ من خسارةٍ ومرارةٍ أبدية.

فنحن لا نرضى أن نُدّلس عليك الأمر أو نُخادعك، لأن الله جلّ ذكره يقول لنا: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} [النساء: 94]، ولذلك فنحن معك صرحاء، ونتحمل من أجل ذلك ما نناله من أذى على هذه الصراحة منكم ومن أوليائكم، وما ذلك إلا لخطورة الشرك، والمصيبة التي أنتم فيها.

إن الأمر يا نصير الشرك والله لخطير، وإن وراءك ناراً وقودها النّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، ونحن نحاول جاهدين بدعوتنا ونعمل مخلصين لهدايتك وانقاذك أنت وأمثالك من تلك النّار ومن هذا الشرك العظيم.

واعلم أن الملائكة أول ما ستسألك عنه عند قبض روحك قبل السؤال عن الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأركان، ستُسأل عن الصف الذي كُنتَ فيه؟ وعن الشرع الذي كنت تنصره؟ والحزب الذي كنت تتولاه؟ فإياك أن تهلك في صف الشرك وأهله، وإياك أن تموت نصيراً للتشريع الوضعي وحزب الشيطان، قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيمَ كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} [النساء: 97]. فهذه الآيات نزلت في أناس كانوا يزعمون الإسلام والإيمان ولكنهم لم يهجروا صف المشركين مشحةً بالمسكن والرزق كالراتب والتقاعد [3] فوصفهم الله تعالى بأنهم {ظالمي أنفسهم}، وبيّن سبحانه أن أول سؤال تسألهم الملائكة إياه عند قبض أرواحهم: {فيمَ كنتم؟}، أي في أي صفٍ كنتم؟ أفي صف أولياء الشيطان وأنصار الشرك والتنديد؟ أم في صف أولياء الرحمن، وأنصار الشريعة والتوحيد؟

ولما كان الجواب الحقيقي أنهم كانوا في صف شريعة الشرك والتنديد؛ لاذوا بالاعتذار بحجة واهية طالما سمعناها من عساكر القانون اليوم عندما ننصحهم باجتناب باطلهم: {كنا مستضعفين في الأرض}، فتجيبهم الملائكة رادة عليهم حجتهم الباطلة هذه {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟}، وكذلك نقول لأنصار الشرك وجند القانون الوضعي اليوم إن الفرصة ما زالت بين أيديكم للنجاة من نار السعير، فأرض الله واسعة، وأبواب رزقه كثيرة، فهاجروا من صف الشرك واتركوا جند الطاغوت الذين قال الله فيهم: {جندٌ ما هنالك مهزوم من الأحزاب} [ص: 11]، وكونوا من أنصار الشريعة وجند التوحيد الذين قال الله فيهم: {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173].

فإن كانت للباطل اليوم جولة وصولة، فإن للحق جولات وصولات، وإنما العبرة بالخواتيم، ونصر الله آتٍ لا محالة لأوليائه المتقين وجُنده الموحِّدين، وأعظم نصر لهم يوم يلقونه... ويومها وعندما تشاهد نصر الموحّدين وهزيمة المشركين ستكون أسمى أمانيك - يا نصير الشرك والقانون - أن ترجع إلى الدنيا لا لتصلي أو تصوم أو تزكي، بل لتحقق قبل ذلك كلّه كلمة التوحيد، وتجتنب الطاغوت فتحقق العروة الوثقى التي لا تقبل صلاة ولا زكاة أو صيام أو غيره بدونها.

نعم! عندما تعاين الحقائق وتعرف سبب هلاك المشركين... هناك ستتمنى الرجوع لتكفر بالدستور وبكلّ شرك، وتبرأ من أوليائه... ولات حين مناص، قال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتُبِعوا من الذين اتَبعوا ورأوْ العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرةً فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يُريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار} [البقرة: 166-167].

أجل يا عبد الدستور؛ إن لم تتبرأ منهم اليوم وتكفر بهم الآن في الدنيا فستندم ساعة لا ينفع الندم، وستتمنى لو حققت التوحيد فتبرأت من الشرك والتنديد واجتنبت نصرة الطاغوت.

إن الله قد أمر النّاس في محكم كتابه أن يجتنبوا الطاغوت، وأن يكفروا به، فقال تعالى: {يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به}، نعم... أُمروا أن يكفروا به، فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، فبدلاً من أن يجتنبوا الطاغوت ويبرأوا منه ويكفروا به؛ ظاهروه وناصروه وكانوا له حراساً مخلصين وجُنداً محضرين تولّوه ووادوه، ولذلك فإنهم يوم القيامة وعندما يُعاينون الحقائق ويعرفون عِظم تفريطهم في جنب الله ودينه وتوحيده وشناعة جريمة الشرك التي مارسوها، أو ناصروها، سيكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، ولكن بعد فوات الأوان، قال تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النّار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25].

فالبدار البدار... يا نصير الشرك إلى نصرة شريعة الله والبراءة من شريعة الطاغوت والقانون، فقد صحّ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيكون في آخر الزمان شرطة معهم سياط كأذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في لعنته)، وزاد الطبراني: (فإياك أن تكون من بطانتهم).

فإياك إياك... أن تكون من بطانتهم.

هذه دعوتنا وهذه تهمتنا... رفعنا بها الصوت ونحن طلقاء، وصدعنا بها في زنازين المخابرات، ودعونا إليها في السجون، ومن أجلها نحيا وعليها نموت ولن يُغيرها القيد ولا الإرهاب ولا التعذيب، ولن نتنازل عنها خوفاً من السجون أو الجلاّد أو المنون، لن نقيل ولن نستقيل - إن شاء الله تعالى - فاختر لنفسك أن تكون لنا عدواً أو خليلاً.

واختر لنفسك أن تكون لدعوتنا نصيراً أو خذولا.

والسلام على من اتبع الهدى.


أبو محمد عاصم المقدسي
وكان الفراغ منها في اليوم الذي نجّى الله به موسى وأهلك عدوّه
سنة 1416 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
سجن سواقة / الأردن

--------------------------------------------------------------------------------

[1] أي يُمارسون السلطة التشريعية.

[2] رواه أحمد وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، وقد روي معناه في تفسير الآية عن حذيفة موقوفاً بإسناد صحيح.

[3] تنبيه: يجب أن تعرف لمزيد من الفائدة هؤلاء المذكورين لم ينضموا إلى جيش المشركين باختيارهم ورضاهم، ولكنهم لما قصّروا بالهجرة من دار الكفر وهي مكة في ذلك الوقت إلى دار الإسلام وهي المدينة خوفاً على أموالهم وأرزاقهم ومساكنهم ومصالحهم وبقوا مخالطين مُساكنين للكفار، فكان حكمهم ما عرفته من الآيات، ولم يُعذروا بذلك الإكراه لتقصيرهم بالهجرة ومفارقة المشركين في بادئ الأمر حين كانوا قادرين عليها. فكيف بمن انضم إلى صفوف مشرعي القانون الوضعي وصار من جندهم وأنصارهم مختاراً فرحاً بذلك مسروراً؟

محمد-المقديسي
Admin

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى