هداية الحليم إلى أهم المهمات في ملة إبراهيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default هداية الحليم إلى أهم المهمات في ملة إبراهيم

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 8:22 am

هداية الحليم إلى أهم المهمات في ملة إبراهيم
{يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

اعلم رحمك الله تعالى؛ أننا لما حررنا بعض الأوراق في بيان طريق الأنبياء والمرسلين وأنها واحدة عند جميع الرسل، وبينا حقيقة الخصومة التي بيننا وبين أهل الشرك والتنديد من عبيد الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية وأنصارهم [1]، بعث إلينا بعض الناصحين في السجن برسالة، يقول في مطلعها: (ليس المهم من هو الذي كفر ومن هو الذي ارتد عن دين الله أو فسق لكن المهم هو كيف ندعو إلى الله عز وجل).

ثم ساوى في كلامه بين الشرطي والجندي والطبيب وغيرهم في ظل هذه الحكومات، وأنكر على الذين يعتزلون المجتمع الكافر ووصفهم بأنهم: (قد عطلوا حمل الدعوة من أمر بمعروف ونهي عن منكر)، وجعلهم آثمين!!

وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرط في المجتمع منذ بعث ولم يبين حدود ذلك الانخراط، وتكلم كلاماً في السلام والتعامل مع أفراد المجتمع الكافر، يقصد فيه الإنكار علينا هجرنا لعبيد القانون الوضعي وجنده وأنصارهم بالسلام ونحوه، واستدل لذلك بعمومات من القرآن لا تصلح للدلالة على ما ذهب إليه كقوله تبارك وتعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}، وقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}، وكذا قوله تبارك وتعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها او ردوها}، فخلط بين الآيات التي تتناول المشركين وبين تلك التي تتناول أهل الكتاب وبين الأخرى التي تتناول أهل الإسلام.

ونسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عمل وليمة لبعض مشركي مكة ؛ كذا زعم، بحجة دعوتهم للإسلام وذكر أن أسواق الذهب بالمدينة كانت خاصة باليهود ويتردد عليها المسلمون ويتعاملون معهم، ثم خلص من ذلك كله إلى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا يتعاملون مع المجتمع بما فيه من علاقات.

وقبل ذلك ذكر أنهم كانوا منخرطين في ذلك المجتمع، ولم يذكر حدود ذلك التعامل او ذلك الانخراط وعلاقته بالولاء والبراء، لكنه دندن وطنطن على الرفق واللين واحتج للرفق بقوله تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وغفل أن آخر الآية؛ {واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}، وقال ذلك الناصح: (دون الوقوع في محاربة الناس ومعاداتهم بدل أن ندعو إلى الله، فنكون قد أسأنا لهم).

وقد كان ركز من قبل على ضرورة العمل من أجل تحقيق وإقامة أهم المهمات - عنده - وهي الدولة الإسلامية ثم ختم ورقته بعد أن أنكر معاداة الناس بالعموم!! بالاحتجاج بقوله تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم {وما على الرسول إلا البلاغ}، وبقوله تبارك وتعالى: {إنما عليك البلاغ المبين}.

فكان لزاماً علينا نصحاً لدين الله ونصحاً لصاحب هذه الورقة وغيره من المسلمين أن نبين ما في كلامه من لبس وتخليط، وليس الغرض من ذلك الرد على ذلك الناصح بعينه، وإنما الغرض بيان أهم الثوابت المهمات في طريق دعوة الأنبياء والمرسلين، وأن الحكمة والموعظة الحسنة الحقيقية، هي في هذه الطريق، وأنها هي ملة ابراهيم عليه الصلاة والسلام، التي لا يرغب عنها ويتركها إلا من سفه نفسه، عسى أن يفتح الله بها آذاناً صماً وأعيناً عمياً وقلوباً غلفاً.

والحمد لله أولاً وآخراً، هو حسبنا ونعم الوكيل.

ثم أما بعد:

فاعلم أن طريق الدعوة إلى الله وأسلوب التعامل مع الناس مشركهم أو فاسقهم أو غيرهم لم يتركها الله عز وجل للهوى والاستحسان والاستصلاح أو للفكر المجرد أو الاختيار العاري من الأدلة.

بل وضحها سبحانه في كتابه أحسن توضيح وبينها أكمل تبيين، فقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}، وقال تبارك وتعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده}، وقوله تعالى: {والذين معه}، قال المفسرون: (أي المرسلين الذين على طريقته وأنصاره الذين كانوا معه).

فملة إبراهيم عليه السلام هي طريق الدعوة عند جميع المرسلين، وهي الطريق التي أمر الله تبارك وتعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم باتباعها وجاء الأمر لأمته أيضاً باتباعها صريحاً، فقال تعالى: {قل صدق الله فاتبعوا ملة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}، وقد وصف الله سبحانه أصحاب هذه الدعوة بأنهم أعقل الناس واحكمهم وأرشدهم وأحلمهم وأحسنهم خلقاً فقال تبارك وتعالى: {ولقد آتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين}، وقال تعالى: {إن ابراهيم لأواه حليم}، وقال عن خاتم الانبياء والمرسلين: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

وسترى ان أهم معالم دعوتهم هو البراءة من الشرك والمشركين وتسفيه أوثانهم والتصريح بكفرهم وعداوتهم وأن هذا هو كمال العقل وأحسن الخلق وقمة الحلم والحكمة، كما وصفهم الله بذلك.

كما بين عز وجل أن السفاهة كل السفاهة في الإعراض عن هذه الطريق واختيار غيرها من الطرق الأخرى المعوجة التي فيها رضى أصحاب السلطان وتطييب خواطر عبيد الجبت والطاغوت بأي حجج فارغة أو مزاعم جوفاء، كمصلحة الدعوة التي اتخذها الفجار مطية لمصالحهم الدنيوية، فقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}.

فإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أخي الموحد أن تعرف حقيقة هذه الملة العظيمة وثوابت هذه الدعوة الكريمة وأركانها، وإليك في هذه الوريقات خطوطاً عريضة حولها:


قال تعالى في سورة الممتحنة: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة و البغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده...}، إلى قوله تبارك تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.

ففي هذه الآيات عدة فوائد ومسائل، منها ما قدمته من أن دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي القدوة والأسوة الحسنة لنا ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وإنها قمة الحلم والعلم والحكمة، وأنه لا يعرض عنها إلا من سفه نفسه.

ومنها أن طريق الدعوة في هذه الملة العظيمة ينقسم إلى موقفين ثابتين:

1) موقف من الأقوام المشركين العابدين لغير الله تبارك وتعالى.

2) موقف من معبوداتهم وأوثانهم وشركياتهم.

وهذان الموقفان واضحان في قوله تبارك وتعالى: {إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله}.

1) اما البراءة من الآلهة المعبودة من دون الله والشرك بصوره المختلفة - سواءً كانت أوثاناً وأصناماً تعبد من دون الله عبادة سجود أو ركوع أو كانوا حكاماً وأمراء أو أحبارا ورهباناً يشرعون للناس ما لم يأذن به الله تعالى، وسواء كان ذلك الشرك قوانين ودساتير ومناهج وأديان، كالديمقراطية أو غيرها من الزبالات ونخالات أفكار البشر -

فالواجب على الموحد الذي يتبع ملة إبراهيم أن يتبرأ من ذلك كله ومنذ اللحظة الأولى التي يدخل بها إلى هذا الدين.

فينزع ذلك كله على عتبة الإسلام، ولا يحل تأخير ذلك أو تأجيله أو تسويغه بحجة المصلحة أو الحكمة أو غيرها، فإنه السبب الذي هلك به من هلك ونجا به من نجا، وأقل الدرجات في ذلك أن يبرأ منه ويكفر به ولو في قلبه، ويجتنبه بأعماله وأقواله.

ولقد كانت صفة إبراهيم عليه السلام الظاهرة والتي عرفها به المشركون هي البراءة من دينهم وأوثانهم ومعبوداتهم الباطلة وتسفهها حتى وصفوه بقولهم، كما في قوله تعالى: {قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له ابراهيم} يذكرهم أي يسفههم ويتنقصهم ويتبرأ منهم.

وكذلك كان خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم}، يذكر آلهتكم؛ أي يتنقصها ويسفهها ويفضح عوارها ويبين أنها لا تستحق العبادة.

وكذلك وصفه المشركون كما في الحديث الذي رواه الإمام احمد بإسناد صحيح أنهم قالوا؛ (عاب آلهتنا وسفه أحلامنا)، وكذلك ينبغي ان يكون أهل التوحيد مع هذه الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية والمناهج المهترئة كالديمقراطية ونحوها فيبينون زيفها ويظهرون للناس نقائصها وعيوبها ليحذروهم منها ويدعونهم للكفر بها والبراءة منها.

تنبيه: قد يشكل على البعض هذا الأمر مع قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}.

فيقال: كلام الله كله حق وصدق ويكمل ويبين بعضه ولا يعارض بعضه بعضا، فمطلوب الرسل وأصل دعوتهم هو البراءة من الأوثان والطواغيت والمناهج التي تعبد من دون الله وتسفيهها ببيان نقائصها وعيوبها للناس، لدعوتهم من ثم للكفر بها واجتنابها، فهذا كله مطلوب مشروع وإن أغضب المشركين وإن سموه سباً وإن ترتب عليه ما ترتب من مفاسد مزعومة، لأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك، فلا يقر الشرك الحقيقي الموجود أو يسكت عنه لمفسدة ظنية محتملة.

أما المنهي عنه في الآية؛ فهو السب المجرد الذي ليس وراءه دعوة ولا يعقل منه الخصم إلا الإستثارة المجردة، فيكون ردة فعله أن يسبنا ويسب الذي أمرنا بسب أوثانهم كما يظنون، وهذه هي المفسدة التي نهينا عنها، لأنها مفسدة مُستجلبة من غير مصلحة.

ويجب أن يتنبه الموحد لهذا الأمر، فيفرق بين مسبة المشركين أو مسبة معبوداتهم المجردة، خصوصاً إذا كانت تلك المسبة بالألفاظ البذيئة التي هي من نضح أفواههم وآنيتهم المنتنة ولا تليق بآنيتنا المطهرة، فالواجب على الموحد ان يجتنب ذلك ويستعلي عليه لأنه يحمل دعوة غالية عظيمة مطهرة اصطفى الله لها خيرة خلقه من أنبيائه واتباعهم الذين رباهم واصطفاهم على عينه بأخلاق حميدة وصفات مجيدة، فلا بد من التفريق بين هذا وبين البراءة من الشرك وأهله وتعرية آلهتهم وقوانينهم ودساتيرهم وكشف زيوفها وبيان تناقضها وتهافتها، لدعوة الناس إلى البراءة منها والكفر بها واجتنابها ببيان أنها لا تستحق أن تعبد ولا تصلح أن تشرع أو تحكم فإن هذا من أهم المهمات ولا يترك أبداً.

وأخيراً؛ يجب أن يعرف الموحد أن هناك فرق بين ما نهي عنه للمفسدة وما نهي عنه نهياً مطلقاً، فإن الأول يزول النهي عنه بزوال المفسدة بخلاف الثاني، فعلم من هذا أن مسبة الأوثان والدساتير والمناهج الفاسدة ليس بمنكر، وإنما المنكر هو ما يترتب عليها من مفسدة.

اما البراءة من عبدة أوثان الجاهلية الأولى، أو من عبيد الياسق العصري والتشريعات الوضعية في الجاهلية المعاصرة:

فإنه أمر مهم جداً، بل هو أهم من الأول، أعني البراءة من الشرك نفسه، ولذلك فإن الله عز وجل قدمه في الذكر في ملة إبراهيم على البراءة من الشرك نفسه، فقال تبارك وتعالى: {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله}، وذكر سبحانه عن إبراهيم أنه قال لقومه {أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}، فتأمل تقديم إعتزالهم والبراءة منهم في ذلك كله على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله تبارك وتعالى عن الفتية من أهل الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله}.

وما ذلك إلا لأهمية هذا الأمر وخطورته، فكم من إنسان يتبرأ من الشرك ويعتزله ويجتنبه فيتبرأ من الأوثان والأصنام أو التشريعات والقوانين والدساتير والمناهج والاديان الباطلة ولكنه لا يبرأ من عابديها وأربا بها وانصارها وواضعيها، فلا يكون بذلك قد حقق ملة إبراهيم.

أما إن تبرأ من المشركين أنفسهم فهذا يستلزم منه أن يتبرأ من أوثانهم وشركياتهم وتشريعاتهم، ولذلك قدمه الله في الذكر.

وهذ الأمر مشاهد واضح بين في واقعنا، فكم من إنسان اليوم عندما ندعوه إلى هذه الملة العظيمة يصرح لنا بالبراءة من الشرك والتشريع الوضعي وقوانينه ودساتيره، لكن إذا نظرت إلى واقعهم وجدتهم سلم لأهل هذا التشريع وأولياءه وواضعيه، بل هم لهم جند محضرون وانصار مخلصون يسارعون فيهم، وليتهم عقلوا قولة العبد الصالح {رب بما أنعمت علي فلن اكون ظهيراً للمجرمين}، أو فقهوا أمر الله عز وجل {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.

فإن كان الله عز وجل قد توعد على الركون - وهو الميل اليسير إلى الطواغيت - بمسيس النار فكيف بمن نام في أحضانهم ورضع من ألبانهم وأفنى عمره في خدمتهم وبذل مهجته في نصرتهم؟! فإن تعجب لهؤلاء فعجبنا أشد ممن ينتسبون للدين والدعوة إليه ثم إذا لقوا أولئك المشرعين المشركين أو أنصارهم أو جندهم هشوا لهم بالتحية وبشوا في وجوههم وسعوا في إكرامهم والتلطف إليهم، يلقون إليهم بالمودة والمحبة والمولاة، ما لا يفعلون عشر معشاره مع الموحدين، بل على العكس فهم يبغضون الموحدين ويعادونهم ويبرءون منهم ويبسطون ألسنتهم لهم بالسوء والغيبة والنميمة والبهتان والافتراء ويصفونهم بالغلظة والتشدد والجهل والسفه، ويعدون مداهنتهم هم وركونهم إلى اعداء الله حكمة وكياسة وفطنة وموعظة حسنة ويحسبون انهم مهتدون، ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون.

يظنون ان الدين لبيك في الفلا وفعل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلا الحب والبغض والولا



كذاك البرا من كل غاو وآثم

وقد أكد الله عز وجل هذا الموقف الثابت بعد قوله تعالى: {إنا برءاؤا منكم وما تعبدون من دون الله}، فقال تعالى: {كفرنا بكم}، ثم قال تبارك وتعالى: {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً...}، و {بدا}؛ أي ظهر وبان.

فلا بد ان تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين بينتين بين أهل التوحيد وبين أهل الشرك والتنديد، إن كانوا يريدون تحقيق ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما يحب ربنا ويرضى، وإن كانوا يريدون الدعوة وفق طريق الانبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه.

وهذا الظهور من ثوابت هذه الدعوة ومميزات أصحابها قبل قيام الدولة الإسلامية وإثناء السعي لإقامتها وبعد قيامها.

وقد صح في الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

فتأمل قوله: (ظاهرين على أمر الله)، وتأمل قوله: (لا تزال)؛ فإنه بين الدلالة على المراد.

والكلام على من حمل لواء الدعوة وصدر نفسه للعمل لدين الله وليس على من تعذر بالاستضعاف والتقية وتتبع الرخص والأعذار، فمن الجهل والسفه أن يقال إن هذا الإظهار يفضح الدعوة وهو ضد مصلحتها، فقد علمت أن المطلوب في هذه الدعوة ومن ثوابتها أن تشهر وتنشر ولا تكتم أو تستر حتى يشار إلى أصحابها بالبنان ويحذر منهم كما كان يحذر من الأنبياء ويُعرفون بالبراءة من الآلهة وعيبها وفضحها، كما تقدم في وصف نبينا ووصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وان فائدة ذلك هو دعوة الناس إلى البراءة من الشرك وأهله وإدخالهم في التوحيد الذي هو أعظم مصلحة في الوجود وأهم المهمات إطلاقاً.

فليس هناك مصلحة أهم منه، لا الدولة ولا الخلافة ولا غيرها، وما الخلافة أصلاً إلا وسيلة لنشر هذا التوحيد [2].

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: هداية الحليم إلى أهم المهمات في ملة إبراهيم

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 8:23 am

إذا تقرر هذا؛ عرفت بطلان قول ذلك الناصح: (ليس مهم معرفة الذي كفر ومن هو الذي إرتد عن دين الله... الخ)، إذ كيف تظهر هذه العداوة ومن نعادي ومن نوالي إذا كنا لا نعرف من الذي كفر ومن هو الذي إرتد، وبسبب مثل هذه المقولة رأينا كثيراً ممن ينتسبون إلى الدعوة إلى الله قد اختل ميزان الولاء والبراء عندهم، فهم يتبرؤون من الموحدين وربما في المقابل أكرموا المشركين وداهنوهم.

ولأهمية هذا الأمر وخطورته تأمل كيف قدم الله عز وجل "العداوة" في الذكر في ملة إبراهيم في آية الممتحنة على "البغضاء"، لأنها أهم وأظهر، فإن كثيراً من الناس قد يبغضون المشركين في قلوبهم، لكنهم لا يعادونهم فلا يحققون الواجب عليهم، ولأن البغضاء غالباً محلها في القلب، أما العداوة فأظهر وأبين ولذلك فهي من أعظم القرب الشرعية التي يتقرب الموحد بها إلى ربه، فإن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والمولاة في الله والمعاداة في الله.

ومعنى العداوة أن يكون الموحد في "عُدوَة"؛ أي جهة ويكون عَدُّوه المشرك في"عُدوَة" أخرى، {فبّدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم}، فبدلاً من ان يعادوا اهل الشرك والتنديد ويجتنبوهم ويفارقوهم؛ أكرموهم وآكلوهم ووادوهم ووالوهم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

واعلم؛ ان هذه العداوة سنة ثابتة موجودة من كلا الطرفين.

فالموحد يجب عليه ان يدعوا أهل الشرك إلى البراءة من شركهم بالحكمة والموعظة الحسنة ويتمنى هدايتهم، لكن هذا شيء ووجوب بغضهم وبغض شركياتهم شيء آخر؛ لا ينفك عن ملة إبراهيم ودعوة الانبياء عليهم الصلاة والسلام. فإن أصروا على شركهم أعلن لهم هذه البغضاء، وجاهرهم بالعداوة، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم}.

فهذا هو الحلم والحكمة الحقيقية، وليس الحلم مداهنة أعداء الله وإظهار مودتهم أو الركون إليهم.

وشاء الله أيضاً في سنته الكونية أن يعادي المشركون الموحدين أيضاً، ويحاربونهم لتوحيدهم ولإيمانهم لينالوا على ذلك أعظم الخزي والعقوبة، قال تبارك وتعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}.

وقد فهم ذلك ورقة بن نوفل من دعوة المرسلين - وكان قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني - فقال لما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى من أمر جبريل عليه السلام: (يا ليتني فيها جذعاً - ليتني أكون حياً - إذ يخرجك قومك فأنصرك نصراً مؤزراً)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَمخرجي هم؟)، قال: (نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً )، رواه البخاري.

فكل من سلك طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وتمسك بملة إبراهيم عليه السلام فلا بد من أن يبغض المشركين ويعاديهم، ولا بد للمشركين أن يعادوه ويبغضوه، فهذه سنة الله في هذه الطريق، ومن ظن أنها مفروشة بالورود والرياحين فقد أخطأ الطريق فليراجع حساباته، بل هي طريق محفوفة بالأذى والسجن والتعذيب، ومن لم يعاد المشركين ولم يعادوه فليس على طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا جاء بمثل ما جاؤوا به من التوحيد وعرى الإيمان الوثقى [3].

وتتفاوت العداوة وربما ظهرت أحياناً وأخفيت خوفاً وتقية تارة اخرى، ولكن على كل الأحوال لا يجوز زوال أصلها من القلب، لأن الإكراه والإستضعاف لا سلطان له على القلب، وهذا أقل مراتب هذه الملة العظيمة؛ أن تبقى العداوة والبغضاء مستمرة في القلب مع "إجتناب الطاغوت وأوليائه وعدم نصرتهم أو الركون إليهم"، الذي لا بد منه لأنه مطلب الرسل كافة {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.

أما أعلاها فهو إظهارها والصدع والمجاهرة بها كما فعل إبراهيم واقتدى به خاتم النبيين عليهما الصلاة والسلام، وعلى ذلك كان جميع المرسلين، وهو سمت الطائفة الظاهرة المنصورة التي تسعى لإقامة دين الله وصفتها المميزة، وعليه عذب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبسببه أوذوا وابتلوا وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة وغيرها من الشرائع، فإنهم لم يعذبوا على الصلاة ونحوها وإنما عذبوا على البراءة من الشرك واهله.

إذا فهمت ما تقدم كله؛ ظهر لك أن قول الله عز وجل: {إنما عليك البلاغ}... ونحوه مما احتج بها هذا الناصح، إنما يعني؛ ليس عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم هداية التوفيق والتسديد فهذه إلى الله وحده، {إنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء}، أو ليس عليك إكراههم وإجبارهم على التوحيد وإنما عليك البلاغ، أي؛ هداية الدلالة والإرشاد.

ولا يجوز أن يفهم من ذلك ولا من قوله تبارك وتعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ}، أي؛ ليس عليك شيئاً مطلقاً غير البلاغ، فليس عليك تكفير المشركين! أو البراءة منهم! ومن أديانهم الباطلة! وليس عليك معاداتهم أو زجرهم! فلا يقول بذلك عاقل فضلاً عن عالم، ولو كان هذا المفهوم جائزاً لجاز ان يقال أيضاً: "وليس عليك الجهاد! ولا عليك إقامة الحدود! أو الدولة..."، أونحو ذلك، فهذا المفهوم كله غير مراد، وما هكذا تفهم نصوص الشريعة.

وعليه؛ فان احتجاج ذلك الناصح بهذه الآية وأمثالها في معرض إنكاره علينا ترك السلام على الكفار وإظهارنا للبراءة منهم، ليس في محله وليس فيه وجه دلالة.

ومثل ذلك إحتجاجه بقوله تبارك وتعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}، فحل طعامهم شيء، وإكرامهم وإظهار المودة لهم والرضى عنهم شيء آخر، قال تعالى فيه: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}.

وكذلك زعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل وليمة في مكة دعا إليها كفار مكة، يحتاج قبل الاستدلال به إثباته، كما قيل؛ "اثبت العرش ثم انقش"، أما النقش والعرش أعوج أو مهتز، فإن النقش سيخرج أعوج كما هو هاهنا.

وهكذا؛ فغالب ما أحتج به ذلك الناصح، إما انه زج به زجاً في موضع ليس فيه وجه دلالة، فهو لا يعرف الإستدلال ولا مفاتيحه ولا آلاته. أو أنه يأتي بآثار لا تعرف وليس لها مستند في الكتب المعروفة المعتبرة عند أهل الحديث والأثر.


ومثله كون سوق الذهب كان في المدينة لليهود، وشراء المسلمين منهم وتعاملهم معهم، فغريب عجيب! ومن ذا الذي أنكر عليكم شيئاً من هذا؟ وما وجه الدلالة منه على ما نحن فيه؟ وهل خلافنا حول سوق الذهب أو سوق القماش أو الخضار، وشراء المسلمين وتبايعهم من المشركين والكفار؟

ألم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي؟ ألم يعمل خباب رضي الله عنه في مكة عند العاص بن وائل؟! ومن ذا الذي دعاكم إلى إعتزال ذلك أو أنكره عليكم؟! إذ ليس في هذا خصومتنا يا ناصح.

إنما الخصومة في إظهار المودة وذرائعها لأعداء الله، كالإكرام والسلام والتهنئة والركون إليهم ومداهنتهم، حتى بلغ بكثير ممن لا يرجون للتوحيد وقاراً؛ انهم يهنئون جند الطاغوت وأنصاره بالرتب الباطلة، ونياشين الكفر والولاء التي ينالونها من الطاغوت ثمناً على بيعهم لتوحيدهم وعلى إخلاصهم للمشرعين الذين يحرسونهم وينصرون تشريعهم الباطل، وإنما أداهم - أعني هؤلاء المهنئين لجند الطاغوت - إلى هذه المزالق نحو قول هذا الناصح: (ليس المهم أن نعرف من الذي كفر ومن الذي ارتد)... وأمثاله، إذ كيف يطبق عرى الإيمان ويميز أوثقها، من لم يعرف الكافر من الفاسق من الموحد [4]؟

فليس خلافنا يا ناصح في بيع الذهب وشراءه من المشركين والكفار، وإنما هو في بيع الدين والولاء والبراء لهم، وفي تمييع ملة إبراهيم عليه السلام بحجج واهية، واستحسان لاقط عاري من الأدلة.

والعجيب ان هؤلاء يزعمون الحكمة والعقل والفهم في السياسة الشرعية وأصول الدين، ثم لا يعرفون طرق الإستدلال ولا يميزون بين أحكام أهل الكتاب وغيرهم من سائر المشركين والمرتدين.

ثم لماذا يستدل بطعام أهل الكتاب في التعامل مع المرتدين والمشركين، ولا يستدل بالأمر بعدم بداءتهم بالسلام واضطرارهم إلى أضيق الطرق، كما ثبت في السنة، ما دام هذا نهجه في الاستدلال؟ أفلا يكون هذا على طريقته مخصصاً لعموم قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، الذي استدل به لتجويزه السلام على أنصار الطواغيت؟

وليس المقصود هنا الرد عليه تفصيلاً، ولكن اللبيب تكفيه الإشارة من ذلك.

ومن المزالق أيضاً قوله: (دون الوقوع في محاربة الناس ومعاداتهم بدلاً ان ندعوهم إلى الله، فنكون قد أسانا لهم)، واستشهد بقوله تبارك و تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، ونسي أن آخر الآية {واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}.

فهل يريدنا أيضاً أن نتابع حكمته وأسلوبه الحسن في الدعوة!! فنستغفر لهم ونشاورهم في أمورنا؟!

إن الإنتصار للمذهب والحزبية لا ينبغي ان يجرئنا على لوي أعناق الأدلة ووضعها في غير موضعها، فإن هذا من تقويل الشارع مالم يقله، والافتراء على شرعه، فليحذر قائله من ذلك، فإنا له من الناصحين.

ثم تأمل كلامه المهلهل غير المنضبط قبل ذلك، فإنك ستستنكره دون شك إن تأملته، خصوصاً بعد أن عرفت ملة ابراهيم عليه السلام وأن من أهم ثوابتها إظهار العداوة والبغضاء للمشركين، فإنكاره لمعاداة الناس مطلقاً دون تفصيل بين المسلم والكافر وبين الموحد والمشرك، من المجازفات التي لا يسندها دليل.

وقوله: (بدل أن ندعوهم فنكون قد أسأنا لهم)؛ أي بمعاداتهم.

فيقال: دعوة الكفار والمشركين وتمني هدايتهم شيء، وعدم بغضهم وترك معاداتهم شيء آخر، ولا تناقض أو تعارض بين تحقيق الأمرين، فنحن نبغض الكفار ولا نحبهم ولا نودهم، وفي الوقت نفسه ندعوهم إلى التوحيد ونتمنى هدايتهم ونتألف قلوبهم، فإن أصروا على باطلهم أظهرنا لهم العداوة والبغضاء، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، وكتاب الله لا يعارض بعضه بعضا بل يكمل بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا.

فلا معارضة بين الرفق واللين والرحمة للمؤمنين والمؤلفة قلوبهم، وبين معاداة الكفار وبغضهم، كما لا تعارض بين الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله، وبين الغلظة على الكفار والشدة على المشركين في محلها.

وليس في ذلك إساءة لهم كما زعم الناصح، بل الإساءة كل الإساءة أن نلبس عليهم دينهم ونقرهم على باطلهم بإظهار الرضى عن كفرياتهم أو ظلماتهم، ففي ذلك الإساءة الحقيقية لهم بإضلالهم وإقرارهم على شركهم، وفيه أيضاً الإساءة إلى أنفسنا بمعصية الله تبارك وتعالى، والانحراف عن هدي نبينا صلى الله عليه وسلم الذي وصفته الملائكة كما في صحيح البخاري: (محمد فرْقٌ بين الناس)، وفي رواية: (فرّق)، أي بين أهل التوحيد من الناس وبين أهل الإشراك منهم، وليس من دين الله محبة كل الناس أو الرضى عن الناس جميعاً، ليس هذا من دين الله في شيء عند من فقه دعوة الانبياء وملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نعم هو من دين الوطنيين ومن دين الديمقراطيين وأصحاب أخوة الأديان والوحدة الوطنية ونحوها!!

أما أصحاب توحيد المرسلين؛ فمن ثوابت دينهم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عادوا آباءهم وإخوانهم وفارقوا أولادهم وأزواجهم وعشيرتهم لأجل توحيدهم.

نعم كانوا يشترون ويتبايعون مع الكفار، لكن لم يكونوا منخرطين - كما قال ذلك الناصح - في المجتمع الكافر؛ بمعنى ذائبين مائعين لا يفرقون بين أهل التوحيد وأهل الشرك والتنديد، فما كانوا يظهرون الرضا عنهم ولا عن شركياتهم أو أوثانهم، ولا كانوا يعاملونهم معاملة المسلمين؛ فيكرموهم ويبشون في وجوههم أو يسلمون عليهم ويصافحونهم... ونحو ذلك مما يجادل فيه ذلك الناصح وغيره.

فمن كانت دعوته كذلك فهو على منهاجهم وطريقتهم، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )، أما الذي يريد أن يدعو بطرائق دعاة العصر المعوجة المداهنة التي لا ترتكز على أدلة شرعية معتبرة، بل مصدرها الإستصلاح الشهواني والاستحسان والهوى المجرد ولوي أعناق النصوص، فورب الكعبة إن الساكت الصامت المعتزل في شعف الجبال بغنيمات - الذي أثّمه ذلك الناصح- لهو خير منهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صمت نجا)، أما من داهن وركن ولبس فليس كذلك، ويقول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً )، أي؛ دعوة على منهاج النبوة وملة إبراهيم، (أو ليصمت).

فالصمت أفضل من كلام مداهن نجس السريرة طيب الكلمات

عرف الحقيقة ثم حاد إلى الذي يرضي ويعجب كل طاغ عات

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: هداية الحليم إلى أهم المهمات في ملة إبراهيم

مُساهمة من طرف محمد-المقديسي في السبت نوفمبر 03, 2007 8:23 am

وفي هذا بيان لما انكره الناصح من مطلق ذم العزلة وتأثيم أهلها، إذ هي لا تذم مطلقاً بل هي محمودة عند الفتن لمن لم يطق دعوة الأنبياء والمرسلين، فإما أن تدعو على منهاجهم أو تعتزل فهو خير لك من التلبيس والتدليس والدعوة بدعوة منحرفة عن ملة ابراهيم عليه السلام ترضي عبيد والطاغوت، إذ قد علمت - كما تقدم من حديث ورقة بن نوفل - انه لم يأتِ رجل بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا عودي.

فإن رأيت دعاة يرضى عنهم الطواغيت أو أولياؤه ويقرون دعواتهم ويلتقون معهم في وسط الطريق، وليس بينهم ثم عداوة، فتأملها وراجعها فإنك ستجدها ليست على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا بد أن فيها من الانحراف عن دعوته وعن ملة إبراهيم عليه السلام ما يعجب الطواغيت وأنصارهم ويرضيهم عنها، وبقدر ذلك الانحراف يكون الالتقاء مع المشركين وبقدره يكون رضاهم عن الداعية، وبقدر التزامه بدعوة الأنبياء والمرسلين وملة إبراهيم عليه السلام تكون عداوتهم له.

ومن العجائب - والعجائب جمة عند هذا الناصح - استدلاله بقوله تبارك وتعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}، فما لهذا والسلام على المشركين وإظهار المودة لهم وتهنئتهم والسكوت عن باطلهم والإمساك عن تكفيرهم؟! أليس في سماعهم لكلام الله تعرية لشركهم وآلهتهم الباطلة وذماً لعقيدتهم الفاسدة والبراءة منهم وتكفيرهم؟ ثم عندما نجيرهم هل يتغير حكمهم ووصفهم عندنا، فلا يعودون مشركين؟! ألم يسمهم الله مشركين حتى حال إجارتهم وقبل سماعهم لكلام الله تعالى؟!

أما مساواته بين الوظائف المختلفة في الدولة الكافرة، بأن جعل الطبيب ونحوه تماماً كالجندي والشرطي وغيرهم من أنصار التشريع الوضعي؛ فهي مجازفة أخرى من مجازفاته، إذ أن العلماء قد فصلوا في العمل عند الكفار والمشركين، ولم يجعلوا لكل أنواع العمل عندهم حكماً واحداً، كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري عند كلامه على حديث خباب بن الأرت وعمله عند العاص بن وائل، حيث بين أن العلماء كرهوا العمل عند اهل الشرك إلا للضرورة، واشترطوا شروطاً منها:

1) أن لا يكون العمل فيه إعانة على معصية.

2) أن لا يكون العمل فيه إظهار عورة من عورات المسلمين.

3) أن لا يكون في العمل مذلة للمسلم.

ولاشك أن من ذلك أن لا يكون فيه نصرة أو تول لهم أو لباطلهم، لأن الله تعالى يقول: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، فلا يقال إن جميع الوظائف في هذه الحكومات كفر أو حرام، بل لا بد من التفصيل:


فما كان فيه ممارسة للسلطة التشريعية فهو كفر.


وما كان فيه تول ونصرة للطاغوت وشرائعه فهو كفر كذلك.


وما كان فيه إعانة على معصية أو حرام فهو حرام.


وما كان ليس من هذا ولا ذاك، فلا يقال عنه حرام ولا كفر، مع كراهة أهل العلم له وحثهم وترغيبهم في البعد عن الكفار وعدم العمل عندهم مطلقاً. وهذا الكلام ينطبق على كل عمل، فالطبيب أو المدرس أو حتى إمام المسجد أو غير الموظف إن كان فيهم من يتول الطاغوت او تشريعه أو يظهر نصرتهم فهو منهم وحكمه حكمهم.


ومن ليس كذلك فينظر في طبيعة عمله هل فيه معصية أو إعانة على معصية... وهكذا.

أما الجندي والشرطي والضابط والمخابرات والامن الوقائي ونحوهم؛ فقد أظهروا تولي الطاغوت وتشريعه الوضعي بنصرتهم له باللسان والسنان، وانحيازهم إلى صف الشرك وحده، ومظاهرتهم لقانونه ووقوفهم في العدوة المناصرة له ضد أهل التوحيد فحكمهم حكم طاغوته، ونحن إنما حكمنا عليه بما أظهره لنا، ولا شأن لنا بما في قلبه إن زعم خلاف ذلك، لأننا كما في الحديث إنما أمرنا بالظاهر، ولم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس.

أما الطبيب وغيره من أصحاب الوظائف التي ليس في ظاهرها نصرة لتشريعهم وقانونهم ودينهم الباطل؛ إن كان مجتنباً لهم، محققاً للتوحيد، فمعاذ الله أن نساويه بمن أظهر نصرتهم وموالاتهم من جندهم وأنصارهم وغيرهم، فالحق التفريق في ذلك ولا يحل لبس الحق بالباطل، والنور بالظلام، والمعروف بالمنكر مراءاً وانتصاراً للمذهب والعصبية والجماعة.

وختاماً:

يجب ان يعرف الموحد أن الزجر بالهجر سنة مهجورة من سنن المصطفى العظيمة التي كان صلى الله عليه وسلم يفعلها مع العصاة والفاسقين فضلاً عن الكفار المحاربين المعاندين.

والأدلة في هذا الباب كثيرة جداً، ذكرها العلماء في مظانها من كتب السنة وجمعها بعضهم في رسائل خاصة، منهم السيوطي رحمه الله في رسالة سماها "الزجر بالهجر"، ولابن حجر في فتح الباري كلام طيب حول حديث المخلفين الثلاثة في غزوة تبوك وهجر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وقد فصل فيه وبين من ينفع معه أسلوب الهجر ومن لا ينفع معه ذلك، وأن من الهجر ما هو للزجر، ومنه ما هو لدرء الفتنة والمنكر عن المسلم نفسه... وغير ذلك مما هو مفيد.

والشاهد؛ ان هذا أمر مشروع وسنة متبعة - أعني بها هجر العصاة لزجرهم، وشنئان الفاسقين والبعد عنهم وعن معاصيهم ومقاطعة الكافرين والمعاندين - ولا يماري أو يجادل فيه إنسان يعرف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد إنكاره مطلقاً.

لكن لابد من التفصيل فيه بين التعامل مع المقبل على الدين وطالب الحق الذي يريد الحق ويسعى إليه، وبين المعرض المعاند المحارب لدين الله وأوليائه، وجميع هذا مبين مفصل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يسهل على طالب الحق الرجوع إليه.

وأخيراً:

فنصرة دين الله تبارك وتعالى أمر واجب على كل مسلم، ولا يماري في ذلك إلا جاهل، ولا شك ان هذه النصرة يجب ان تكون مقيدة بهدى النبي صلى الله عليه وسلم الذي اتبع في ذلك طريق الأنبياء من قبله واقتدى بملة إبراهيم عليه السلام التي جعلها الله أسوة حسنة لهذه الامة، وهي امر محسوم في ديننا لا ننكره ولا نماري فيه، وميدان نصرة دين الله مفتوح والمجال واسع ؛ {لا يستوي منكم من انفق قبل الفتح وقاتل أولئك اعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}، فكل يعمل ويدلي بدلوه لنصرة دين الله، ولا يقبل من ذلك إلا ما كان على منهاج النبوة، {فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

أسأل الله أن يجعلنا من أنصار دينه ومن اهل الطائفة الظاهرة القائمة بدين الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، هو مولانا نعم المولى ونعم النصير.


أبو محمد عاصم المقدسي
الآخر من محرم سنة 1416
من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم


--------------------------------------------------------------------------------

[1] إشارة إلى الأوراق المسماة بـ "هذان خصمان اختصموا في ربهم"، كتبتها في سجن سواقة.

[2] هذا إشارة إلى من يدندن على الخلافة والدولة ويميع هذه الثوابت فيجعل الدولة أهم المهمات مطلقاً حتى من التوحيد، مع العلم ان الخلافة ما هي إلا وسيلة لتحقيق هذا التوحيد وليست هي الغاية، قال تبارك وتعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور}، واعظم معروف هو التوحيد واعظم منكر هو الشرك.

[3] وفي مقابل هذه البراءة والعداوة للمشركين لا بد من مولاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم والفرح لكل ما يفرحهم، والحزن لمصابهم خلاف ما يفعله كثير ممن لم يثبت الإيمان في قلوبهم من الفرح بمصاب الموحدين والتمعر في وجوههم وإظهار البغضاء والعداوة لهم، بينما لا ينال أعداء التوحيد منهم إلا كل تذلل وتودد وإدهان، مع ان الله تبارك وتعالى قد وصف عباده المؤمنين بأنهم: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}، فعكس وبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم.

[4] ولا يقل عن ذلك سوءاً أو تلبيساً ما يفعله بعضهم من تهنئتهم حتى بالمناسبات الإسلامية، كالدعاء بتقبل الطاعات بعد رمضان، أو الدعاء لمن رجع منهم من الحج بقولهم: (حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً)، فلا شك ان هذا كله من لبس الحق بالباطل والنور بالظلام، لأن هذا يوهم أن جند الطاغوت عندهم أصل الإسلام - التوحيد - الذي هو الشرط الأول في قبول هذه العبادات وغيرها من الطاعات، وليس الأمر في الظاهر الذي يظهره لنا أنصار التشريع الوضعي كذلك.
لأن ركن التوحيد الاول هو إجتناب الطاغوت والبراءة منه والكفر به، كما أمر الله عز وجل فقال: {وقد امروا أن يكفروا به}، وعبيد الدستور لم يكفروا به ولم يجتنبوه، بل على العكس من ذلك تولوه وناصروه وظاهروه وأمسوا له جنداً محضرين وحراساً مخلصين، يضحون بحياتهم ويبذلون مهجهم واعمارهم من أجله، وفي سبيل أمنه وتثبيته، ومن كان كذلك فأنى له أن يعرف التوحيد، بل والله ما شمه ولا ذاق طعمه فكيف يقبل من أمثاله صلاة أو حج او صيام، فإنما عبادة هذا وأمثاله من جنس عبادة المشركين الذين قال الله عز وجل فيهم: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة}، أي ناصبة بالعبادة لكن على غير أساس التوحيد، فلا تقبل منهم، ولذا قال تبارك و تعالى: {تصلى ناراً حامية}، ثم ليس الدخول إلى الإسلام يكون من أبواب الصلاة أو الصيام أو الحج، وإنما يكون الدخول إليه من باب واحد هو التوحيد - العروة الوثقى - ولذلك لم يكن من طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته دعوة الناس إلى الصلاة والزكاة والحج قبل دعوتهم إلى التوحيد، بل لا يدعونهم إلى تلك العبادات إلا بعد تحقيق التوحيد وإجتناب الشرك والتنديد.
ويدل على هذا دلالة واضحة حديث ابن عباس في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ان لا إله إلا الله - وفي رواية: "أن يوحدوا الله" - فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات... الحديث)، فتنبه لذلك ولا تكن من الغافلين.

محمد-المقديسي
Admin

المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 01/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tawhed.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى