منتدى التوحيد والجهاد
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الزهد

اذهب الى الأسفل

الزهد Empty الزهد

مُساهمة من طرف الانصاري السبت نوفمبر 03, 2007 12:26 pm

الزهد
رقائق


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد:

فقد ذمَّ الله سبحانه وتعالى الدنيا في مواطن كثيرةٍ من كتابه، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه، وما ذاك إلا للتزهيد فيها والحثِّ على التقلُّلِ منها.

فقال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً، فإذا استكمل وتم اضمحل وزال عن صاحبه أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها ممتلئ القلب من همِّها وحزنها وحسرتها، فذلك؛ {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}، أي: نبت فيها من كل صنف وزوج بهيج {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ}؛ كالحبوب والثمار ومما تأكل {الأنعام}؛ كأنواع العشب والكلأ المختلف الأصناف، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ}؛ أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظراً عجيباً ما بين أخضر وأصفر وأبيض وغيره، {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}؛ أي: حصل معهم طمع بأن ذلك سيستمر ويدوم لوقوف إرادتهم عنده وانتهاء مطالبهم فيه، فبينما في تلك الحالة {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}؛ أي: كأنها ما كانت، فهذه حالة الدنيا سواءً بسواء، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}؛ أي: نبينها ونوضحها بتقريب المعاني إلى الأذهان وضرب الأمثال {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم، وأما الغافل المعرض فهذا لا تنفعه الآيات ولا يزيل عنه الشك البيان).

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.

وقال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}.

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.

وقال صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلككم كما أهلكتهم).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) [متفق عليه].

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) [رواه مسلم].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغُ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويُؤتى بأشدِّ الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله ما مرَّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط) [رواه مسلم].

وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) [رواه مسلم].

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسوقِ والناس كتفيه فمرَّ بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأُذُنه ثم قال: (أيكم يُحب أن يكون هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نُحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به! ثم قال: (أتُحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيَّاً كان عيباً إنه أسك فكيف وهو ميت، فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [رواه مسلم]، والأَسَكّ: صغير الأُذن.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرَّةٍ بالمدينة فاستقبلنا أُحُد فقال: (يا أبا ذر)، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: (ما يسرُّني أن عندي مثل أحدٍ هذا ذهباً تمضي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا) - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - ثم سار فقال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - وقليلٌ ما هم) [متفق عليه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدُّنيا سجن المؤمن، وجنَّة الكافر) [رواه مسلم].

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) [متفق عليه]، وهذا لفظ مسلم وفي رواية البخاري: (إذا نظر أحدكم إلى من فَضُل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه).

وغيرها من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تُبيِّن حقيقة هذه الدنيا الفانية.

قال الشافعي رحمه الله : (من زهد في الدنيا قرَّت عيناه بما يراه من ثواب الله تعالى غداً).

فيا من تهافت إلى الدنيا، فأصبحت جُلَّ همِّه، وأعظم شُغله، وألهته عن عبادة ربه، اعلم أن الدنيا فانية، وهي عن قريبٍ زائلة، والعبرة في الآخرة ليس بكثرة المال والعيال، وإنما بالقلوب والأعمال، وارض بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، والأصحاب والآل رضي الله عنهم.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما رأى ما أصاب الناس من الدنيا: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظلُّ اليوم يلتوي ما يجدُ من الدَقَل ما يملأُ به بطنه) [رواه مسلم]، والدَقَل: رديء التمر.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيءٍ يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ فكلته فَفَنِي) [متفق عليه]، قال الترمذي: (ومعنى قولها شطر تعني شيئاً) - أي شيئاً من شعير -

وعن عمر بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلتَه البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة) [رواه البخاري].

وفي هذا الحديث من الزهد أنه صلى الله عليه وسلم - وهو خير من وطأت رجلاه الثرى - كان يركب البغل؛ بل هي مركبُهُ صلى الله عليه وسلم، وأيضاً تصدقه بأرضه لابن السبيل، وأنه لم يُخلِّف إلا البغلة التي يركبها، والسلاح الذي يُجاهد به، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزاً مُرقَّقاً حتى مات) [رواه البخاري].

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ فقام وقد أثَّر في جنبه قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راح وتركها) [رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّةِ ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد رُبطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السَّاقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) [رواه البخاري].

قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: (أنتم أكثر صلاةً وصياماً من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيراً منكم)، قالوا: ولم؟! قال: (كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة).

قال الإمام أحمد رحمه الله : (أسرُّ أيَّامي إليَّ يومٌ أُصبح وليس عندي شيء).

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : (أصل الزُّهد الرضا عن الله عز وجل).

وقال: (القَنُوع هو الزاهد وهو الغني، فمن حَقَّق اليقين وثِق بالله في أموره كلِّها، ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفاً، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهداً في الدنيا حقيقة وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيءٌ من الدنيا، كما قال عمار رضي الله عنه؛ كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شُغلاً).

وفي بيان معنى الزهد وحقيقته؛ قال الإمام أحمد رحمه الله : (إنما هو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وصبر أيامٍ قلائل).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (الزهد المشروع هو ترك كل شيءٍ لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله).

وقال أيضاً رحمه الله : (الزهد هو عمَّا لا ينفع إما لنفاء نفعه أو لكونه مرجوحاً لأنه مُفوِّتٌ لما هو أنفع منه أو مُحصِّل لما يربو ضرره على نفعه، وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها حمق).

اللهم زَهِّدنا في الدنيا ووَسِّع علينا منها ولا ترُدَّها عنَّا فتُرَغِبَنا فيها.

وللحديث بقيةٌ في العدد القادم - إن شاء الله -


وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


بقلم؛ معاذ المنصور
عن نشرة البتار، العدد الرابع
ذو الحجة/ 1424 هـ
avatar
الانصاري

المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 03/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى